طفرة البناء في المغرب ترفع ثروة مالكي TGCC وSGTM إلى أكثر من مليار دولار

لم تعد الطفرة التي يعرفها قطاع البناء والأشغال العمومية في المغرب تقتصر على ارتفاع حجم المشاريع والصفقات، بل بدأت تنعكس أيضاً على قيمة الشركات الكبرى ومساهميها، مع دخول المملكة مرحلة استثمارية واسعة استعداداً لاستحقاقات كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030 ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، برز اسما محمد بوزوبع، مؤسس مجموعة TGCC، ومحمد قباج، رئيس مجلس إدارة ومؤسس مشارك مجموعة SGTM، بعدما تجاوزت القيمة السوقية لحصتيهما في الشركتين المدرجتين ببورصة الدار البيضاء حاجز المليار دولار لكل واحد منهما، وفق تقديرات متخصصة.
وتشير هذه الأرقام إلى التحول الذي أحدثه إدراج الشركات الكبرى في السوق المالية المغربية، إذ أصبحت قيمة حصص مؤسسيها ومساهميها الرئيسيين قابلة للقياس بشكل يومي، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الأسهم وتوسع آفاق النمو أمام قطاع البناء والأشغال العمومية.
وبحسب تقديرات نشرتها منصة «Billionaires.Africa» خلال غشت الماضي، بلغت القيمة السوقية لحصة محمد بوزوبع في TGCC حوالي 1.62 مليار دولار، فيما قدرت قيمة حصة محمد قباج في SGTM بنحو 1.72 مليار دولار.
غير أن وصف الرجلين بالمليارديرين يحتاج إلى قدر من التحفظ، إذ إن هذه التقديرات لا تمثل بالضرورة إجمالي ثروتهما الشخصية.
فهي تستند أساساً إلى قيمة الأسهم التي يمتلكها كل منهما في الشركتين وفق أسعار التداول في البورصة، بينما قد تضم الثروة الفعلية أصولاً واستثمارات أخرى غير مدرجة في السوق.
بدأ محمد بوزوبع مساره في قطاع البناء قبل أكثر من ثلاثة عقود، عندما أسس مجموعة TGCC سنة 1991، مستفيداً من تكوينه في مدرسة الطرق والقناطر بباريس ومن تجربة مهنية سابقة في مجال الإنشاءات.
وانطلقت المجموعة بمشاريع محدودة، قبل أن يشكل مشروع بناء ملعب فاس سنة 1999 محطة مفصلية في مسارها، لتبدأ بعدها مرحلة توسع شملت مجموعة واسعة من المشاريع والمنشآت، من الملاعب ومحطات القطارات إلى المطارات والفنادق والمشاريع السكنية والمنشآت الصناعية.
وبحلول سنة 2010، تجاوز رقم معاملات TGCC حاجز مليار درهم، في مؤشر على التحول الكبير الذي عرفته المجموعة منذ تأسيسها.
واكتسبت الشركة زخماً إضافياً بعد إدراج أسهمها في بورصة الدار البيضاء في ديسمبر 2021، لتدخل مرحلة جديدة من النمو والتوسع، عززتها لاحقاً صفقة الاستحواذ على 60% من مجموعة STAM-VIAS سنة 2025، وهو ما وسع نطاق نشاطها ليشمل بشكل أكبر الأشغال العمومية والهندسة المدنية.
ومع ارتفاع وتيرة المشاريع الكبرى بالمغرب، انعكس نمو نشاط المجموعة على أدائها المالي وعلى تقييمها في السوق المالية، الأمر الذي رفع بدوره القيمة السوقية لحصة مؤسسها.
ووفق الحسابات التي نشرتها «Billionaires.Africa»، يمتلك بوزوبع حوالي 19.29 مليون سهم في TGCC، بما يعادل 55.63% من رأسمال الشركة.
وعند سعر 775 درهماً للسهم، تصل القيمة السوقية لهذه الحصة إلى نحو 14.95 مليار درهم، أي ما يقارب 1.62 مليار دولار وفق سعر الصرف المستخدم في التقدير.
على الجانب الآخر، يمتد تاريخ محمد قباج مع SGTM إلى أكثر من خمسين عاماً، بعدما أسس الشركة سنة 1971 إلى جانب شقيقه الأكبر أحمد، عقب تكوينهما الهندسي في فرنسا.
ومنذ ذلك الحين، تحولت المجموعة من شركة تنشط في سوق تهيمن عليه الشركات الأجنبية إلى واحدة من أبرز المجموعات المغربية المتخصصة في الأشغال العمومية، بعدما راكمت خبرة طويلة في تنفيذ مشاريع استراتيجية.
وشملت أعمال SGTM على مدى عقود مشاريع في مجالات المطارات والموانئ والسدود والطرق والمنشآت الصناعية والسككية والمباني العمومية والفنادق، ما جعل المجموعة أحد الفاعلين الرئيسيين في تنفيذ الأوراش الكبرى بالمملكة.
وظلت الشركة خارج البورصة لأكثر من خمسة عقود، وبالتالي لم تكن قيمة حصص أفراد العائلة تخضع لتقييم يومي من طرف السوق المالية.
لكن إدراج SGTM في بورصة الدار البيضاء في ديسمبر 2025 شكل نقطة تحول رئيسية، بعدما أصبحت قيمة المجموعة وأسهم مساهميها مرتبطة مباشرة بحركة السوق.
وخلال عملية الإدراج، طرحت الشركة 20% من رأسمالها، وجمعت حوالي 4.8 مليارات درهم، بينما بلغت قيمتها الإجمالية عند الإدراج نحو 25.2 مليار درهم.
وسجل الاكتتاب إقبالاً قوياً، بعدما تجاوز حجم الطلب على الأسهم 171 مليار درهم، وفق المعطيات المنشورة حول العملية.
وبحسب بيانات الاكتتاب، يمتلك محمد قباج نحو 22.2 مليون سهم، تمثل حوالي 37% من رأسمال SGTM. وباحتساب سعر 715 درهماً للسهم، تبلغ القيمة السوقية لهذه الحصة حوالي 15.87 مليار درهم، أي ما يقارب 1.72 مليار دولار.
وتقدم تجربتا TGCC وSGTM مثالاً واضحاً على التأثير الذي يمكن أن يحدثه الانتقال من الملكية الخاصة إلى السوق المالية في تقييم ثروات مؤسسي الشركات العائلية.
فارتفاع القيمة السوقية للأسهم لا يعني بالضرورة أن أصحابها حصلوا على سيولة نقدية تعادل هذه الزيادة، بل يعكس القيمة التي يمنحها المستثمرون لحصصهم في لحظة معينة بناء على سعر السهم في البورصة.
وبذلك، سمح الإدراج بإظهار قيمة سوقية لأصول ظلت لعقود طويلة داخل شركات خاصة، حيث لم تكن هناك آلية يومية لتحديد قيمتها.
وتأتي هذه التحولات في وقت يدخل فيه المغرب مرحلة استثمارية واسعة، تشمل أوراشاً ضخمة في البنية التحتية والنقل والموانئ والمطارات والطرق والمنشآت الرياضية والسياحية والصحية، إلى جانب المشاريع المرتبطة بالتحضير لاستضافة كأس العالم 2030.
ولا تقتصر الفرص المتاحة أمام مجموعتي TGCC وSGTM على مشاريع المونديال، إذ تمتد إلى برامج استثمارية وطنية تشمل تحديث البنية التحتية وتطوير شبكات النقل والمنشآت العمومية وتعزيز الطاقة الاستيعابية للعديد من المدن والمرافق.
وتملك الشركتان حضوراً واسعاً في هذه السوق، بعدما شاركتا على مدى سنوات في إنجاز منشآت كبرى لفائدة مؤسسات الدولة والقطاعين العام والخاص.
وتضم محفظة TGCC مشاريع في مجالات الرياضة والتعليم والصحة والسياحة والصناعة والعقار والبنية التحتية، من بينها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات ببنجرير والرباط، والمركز الاستشفائي الجامعي بأكادير، وبرج محمد السادس، إلى جانب مشاريع ومحطات ومرافق تجارية وفندقية وصناعية.
ومع استمرار تدفق الاستثمارات على قطاع البناء والأشغال العمومية، تبدو الشركات الكبرى أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة القطاع، ليس فقط من حيث حجم المشاريع والصفقات، وإنما أيضاً من حيث قيمتها في السوق المالية.
وتكشف قصة بوزوبع وقباج في النهاية عن تحول أوسع يشهده الاقتصاد المغربي، حيث بدأت شركات عائلية بنت حضورها على مدى عقود تتحول إلى كيانات ذات قيمة سوقية ضخمة بمجرد دخولها البورصة، مستفيدة في الوقت نفسه من دورة استثمارية تاريخية تعزز الطلب على البناء والبنية التحتية في المملكة.




