اقتصاد المغربالأخبار

منطق السلطة وصرامة الأرقام.. لماذا تتغاضى الحكومة عن تنبيهات والي بنك المغرب؟

بلسان الأرقام الصريحة وبعيداً عن المزايدات السياسية، وضع عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، تشخيصاً دقيقاً ومستقلاً لوضعية الاقتصاد الوطني ، تشخيصٌ يعيد ترتيب الأولويات ويضع الحقيقة أمام صانعي القرار.

بين التوازنات الماكرواقتصادية الصامدة والواقع الاجتماعي المأزوم، رسم الجواهري خطوط الفاصل بين إنجازات أرقام الميزانيات، وبين الإكراهات اليومية التي تكبل القدرة الشرائية وتؤرق فئات واسعة من المواطنين.

تأتي هذه القراءة من رجل يُعرف بمسار مهني حافل بالخبرة والتجربة، متحدثاً من موقع المؤسسة النقدية الأولى للبلاد.

وبفضل هذه الاستقلالية والارتكاز على المعطيات الملموسة، جاءت تنبيهات والي بنك المغرب تحمل نبرة تحذير صريحة من استمرار الاختلالات الهيكلية؛ وعلى رأسها العجز عن خلق مناصب شغل كافية، وتباطؤ حركة الاستثمار المنتِج، فاتحاً الباب أمام نقاش عمومي ملح حول النجاعة الحقيقية للسياسات التنموية المنفذة.

وخلال عرضه الأخير أمام جلالة الملك ، أكد والي بنك المغرب أنه رغم النجاح في صون الاستقرار المالي والنقدي، إلا أن الاقتصاد الوطني لا يزال يعاني من ضعف مساهمة القطاع الخاص في قيادة القاطرة التنموية وخلق القيمة المضافة ، أداءٌ إيجابي في قطاعات بعينها يُقابل بعجزٍ عن تحقيق الأثر المطلوب في سوق الشغل، ما يترك أثراً محدداً على دخل الأسر ومستواها المعيشي.

وتتزامن هذه القراءة النقدية مع مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يسجل فيه القطاع البنكي ومؤسسات كبرى أخرى مستويات أرباح مرتفعة، تزداد الحاجة إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو مشاريع إنتاجية حقيقية تولد مناصب شغل مستدامة.

كما يطرح هذا الوضع تساؤلات جادة حول مدة نجاعة آليات الدعم العمومي، والامتيازات الممنوحة للمقاولات، وضرورة ربطها بأهداف واضحة ومخرجات قابلة للقياس.

وعلى صعيد المعيشة اليومية للمواطن ، يظل ملف القدرة الشرائية في مقدمة الانشغالات، حيث لا تعكس مؤشرات تراجع التضخم الرسمية حجم الضغوط الفعلية التي تواجه الأسر. فارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية يُبقي على حالة الغلاء ويقلص من أثر التوازنات المالية على المعيش اليومي.

ولم يخف والي بنك المغرب قلقه العميق تجاه عدد من القضايا الهيكلية؛ وفي مقدمتها الملف المعقد لإصلاح أنظمة التقاعد، وضمان المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، إضافة إلى تفاقم إشكالية البطالة التي تجاوزت معدلاتها الرسمية حاجز 13 في المائة، لتتحول معها مسألة التشغيل – ولا سيما في صفوف الشباب – إلى التحدي الأبرز للمرحلة المقبلة.

تكتسي هذه التحذيرات أهمية مضاعفة مع الاقتراب من محطات واستحقاقات سياسية جديدة، حيث تتصاعد الخطابات الانتخابية وتكثر الوعود الاجتماعية. غير أن تشخيص الجواهري الصارم يدعو، حسب مراقبين، إلى تجاوز الخطابات البلاغية والقطع مع الشعارات، والتوجه فوراً نحو إصلاحات عملية تطال جذور المشكلات.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى التسويق لحصيلتها وإبراز إنجازاتها، تبقى قضايا التشغيل، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، هي المحك الحقيقي لمدى نجاعة التدابير المتخذة ومدى قدرتها على استعادة ثقة المواطن.

وبالموازاة مع الاستعدادات للمرحلة السياسية القادمة، يظل السؤال المطروح بقوة: هل يستوعب الفاعلون السياسيون رسائل مؤسسة الإصدار ويحولون التنبيهات الاقتصادية إلى برامج عمل واقعية؟ أم أن الاكتفاء بتبادل الاتهامات والوعود الشفهية سيزيد من عمق الفجوة بين الأرقام الرسمية وتطلعات الشارع، ما قد يعزز حالة العزوف وتراجع الثقة في العمل السياسي؟

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى