دراسة تطالب بنظام ضريبي خاص بالجمعيات ومراجعة آليات الدعم العمومي

في ظل تنامي الأدوار التي بات يضطلع بها المجتمع المدني في مجالات التنمية الاجتماعية والتأطير المجتمعي، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها النظام الضريبي المغربي مع الجمعيات، بعدما كشفت دراسة حديثة عن وجود اختلالات تحد من قدرتها على الاستمرار والاضطلاع بمهامها.
وأفادت دراسة صادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات تحت عنوان “الجمعيات في مواجهة الضغط الضريبي: ثلاثة مسارات للإصلاح”، بأن الإطار الجبائي الحالي لا يعكس بشكل كاف خصوصية الجمعيات باعتبارها هيئات غير ربحية، مشيرة إلى أن إخضاعها لمنطق قريب من المقاولات التجارية يزيد من هشاشتها المالية ويؤثر على استقرار مشاريعها.
ودعا الباحث سفيان الكمري، معد الدراسة، إلى اعتماد نظام ضريبي مستقل موجه للعمل الجمعوي، يقوم على وضع تحفيزات وإعفاءات ضريبية تراعي محدودية الموارد المالية لدى عدد كبير من الجمعيات، خاصة تلك التي لا تتوفر على إمكانيات تشغيلية كبيرة.
وأكدت الدراسة أن العديد من الجمعيات المغربية تواجه صعوبات بنيوية مرتبطة بضعف التمويل وارتفاع تكاليف التسيير، ما يجعلها غير قادرة على تحمل نفقات التشغيل المستمر، خصوصاً ما يتعلق بأجور العاملين والتزامات الحماية الاجتماعية.
وشدد التقرير على أن إصلاح وضعية الجمعيات لا يقتصر على الجانب الضريبي فقط، بل يتطلب أيضاً مراجعة طريقة تدبير الدعم العمومي، عبر توسيع نطاقه ليشمل تكاليف التسيير والأجور، وليس الاقتصار على تمويل المشاريع والبرامج فقط.
واعتبرت الدراسة أن إدماج مصاريف الموارد البشرية ضمن آليات الدعم من شأنه تعزيز استدامة العمل الجمعوي، مع ضرورة ضمان التصريح القانوني بالعاملين لدى صناديق الضمان الاجتماعي، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق الاجتماعية للموظفين وتخفيف الأعباء عن الجمعيات.
وأوضحت الدراسة أن الجمعيات، رغم اعتمادها على مبدأ عدم تحقيق الربح، قد تجد نفسها خاضعة للضريبة على الشركات وفق مقتضيات المدونة العامة للضرائب، وذلك بسبب اعتماد المشرع على معيار يرتبط بطبيعة النشاط والممارسة وليس فقط بالشكل القانوني للهيئة.
وأشارت إلى أن الاستفادة من الإعفاءات الضريبية تبقى مرتبطة بإثبات توفر مجموعة من الشروط، من بينها غياب الطابع التجاري، وعدم منافسة القطاع الخاص، إضافة إلى اختلاف طريقة اشتغال الجمعية عن منطق المقاولة من حيث الخدمات والأسعار وأساليب الترويج.
غير أن الدراسة سجلت أن تطبيق هذه المعايير يطرح صعوبات عملية، بسبب غياب تعريفات دقيقة لبعض المفاهيم، خصوصاً ما يتعلق بالتمييز بين الفائض المالي الذي تعيد الجمعية استثماره في أهدافها الاجتماعية، وبين الأرباح التجارية التي يمنع القانون توزيعها.
وحذرت من أن هذا الغموض يمنح الإدارة الضريبية سلطة تقديرية واسعة في تحديد مدى استفادة الجمعيات من الإعفاءات، الأمر الذي قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار نتيجة إمكانية إخضاع بعض الهيئات لمراجعات ضريبية مفاجئة.
ولم يقتصر التقرير على الإشكالات المرتبطة بالضريبة على الشركات، بل أشار إلى أن الجمعيات تتحمل أيضاً أعباء أخرى مرتبطة بالضريبة على القيمة المضافة.
وأوضح أن الجمعية، عندما تعامل كمستهلك نهائي ولا تستفيد من آلية استرجاع الضريبة كما هو معمول به لدى المقاولات، تتحمل تكلفة إضافية تؤثر بشكل مباشر على ميزانيات المشاريع الاجتماعية والتنموية التي تشرف عليها.




