الاقتصادية

تركيا تفقد ميزة الأسعار الرخيصة مع ارتفاع تكاليف العطلات وتراجع تدفق السياح

بدأت صورة تركيا كواحدة من أكثر الوجهات السياحية الأوروبية جذباً للسائح الباحث عن عطلة منخفضة التكلفة في التراجع، بعدما دفعت الزيادات المتسارعة في الأسعار بعض الزوار إلى إعادة النظر في خططهم، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الخدمات السياحية وتراجع أعداد الوافدين من عدد من الأسواق الرئيسية.

وكانت تركيا لسنوات خياراً مفضلاً للسياح البريطانيين بفضل قربها الجغرافي وتنوع منتجعاتها وأسعارها التي ظلت أقل من العديد من الوجهات الأوروبية. لكن هذه الميزة بدأت تتآكل مع ارتفاع تكلفة الإقامة والأنشطة والخدمات السياحية.

وتجسد تجربة الزوجين البريطانيين دونا وديف نيدهام هذا التحول، إذ اعتادا قضاء عطلاتهما الصيفية على الساحل التركي، وزارا البلاد مع أطفالهما خمس مرات منذ عام 2021. إلا أن رحلتهما الأخيرة كشفت عن ارتفاع كبير في الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة.

ولم يعد المنتجع الذي اعتادا الإقامة فيه ضمن ميزانيتهما، بينما قفزت تكلفة بعض الأنشطة بصورة حادة؛ إذ ارتفع سعر رحلة تزلج مائي مدتها 15 دقيقة إلى 90 جنيهاً إسترلينياً، أي نحو 122 دولاراً، مقابل 20 جنيهاً فقط قبل عام.

وقالت دونا نيدهام، التي تعمل مع زوجها في التدريس ويديران أيضاً وكالة سفر صغيرة، إن تركيا قد لا تكون خيارهما الأول لقضاء عطلة العام المقبل.

ويرتبط جزء من التحول في الأسعار بسياسة تركيا تجاه سعر صرف الليرة، إذ يجري السماح للعملة بالتراجع بوتيرة أبطأ من معدلات التضخم.

وتهدف هذه السياسة، من بين أمور أخرى، إلى الحد من تأثير ضعف العملة على الأسعار المحلية وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين الأتراك، لكنها في المقابل تقلل من الميزة السعرية التي كان يتمتع بها السياح القادمين من الخارج.

وبالنسبة للزوار الذين يحملون الجنيه الإسترليني أو اليورو أو الدولار، لم تعد الليرة الضعيفة تعني بالضرورة عطلة رخيصة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الفنادق والمطاعم والأنشطة والخدمات المرتبطة بالسياحة.

ويرى العاملون في القطاع أن هذه التطورات بدأت تؤثر على القدرة التنافسية للوجهة التركية، بالتزامن مع عوامل جيوسياسية أخرى تزيد من صعوبة جذب السياح.

وقال توني باسوغلو، الذي يدير نشاطاً تجارياً لتأجير الفيلات في أنطاليا، إن الصورة القديمة لتركيا باعتبارها وجهة منخفضة التكلفة لم تعد تعكس الواقع، رغم استمرار تدفق السياح واستمتاعهم بإجازاتهم.

وتزامن ارتفاع الأسعار مع انخفاض أعداد السياح الدوليين الوافدين إلى تركيا خلال أشهر الصيف.

وبحسب بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية، تراجع عدد السياح بنسبة 3.6% على أساس سنوي في مايو، و4% في يونيو، ثم 0.3% في يوليو، وكان السياح الأوروبيون من بين الفئات الأكثر تراجعاً.

وسجلت أعداد الوافدين من المملكة المتحدة، التي تعد ثالث أكبر سوق للسياحة الأجنبية في تركيا، انخفاضاً سنوياً بنحو 11% في يوليو.

وفي بريطانيا، بدأت شركات السفر تلاحظ تحول جزء من الطلب نحو وجهات أخرى تنافس تركيا في عامل السعر، ومن بينها سلوفينيا والجبل الأسود وتونس، وفقاً لشركة «هوليداي إكستراس».

ولا يقتصر تغير سلوك المستهلكين على السياح الأجانب، إذ بدأ الأتراك أنفسهم يواجهون معادلة مشابهة داخل سوقهم المحلية.

فعلى مدى السنوات الماضية، وجد بعض الأتراك الذين تمكنوا من الحصول على تأشيرات دخول أن قضاء عطلة في الخارج، بما في ذلك في اليونان القريبة، يمكن أن يكون أقل تكلفة من السفر داخل تركيا.

وانعكس ذلك على السياحة المحلية، إذ أظهرت أحدث البيانات الحكومية تراجع عدد رحلات العطلات الداخلية خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مسجلاً أول انخفاض منذ جائحة كوفيد-19.

ويعكس هذا الاتجاه تغيراً في أنماط الإنفاق السياحي، مع بحث الأسر عن أفضل قيمة مقابل ما تنفقه، سواء داخل تركيا أو خارجها.

ورغم انخفاض أعداد السياح، لم تتأثر إيرادات السياحة التركية بالقدر نفسه حتى الآن، إذ ساهم ارتفاع إنفاق بعض الزوار في تعويض جزء من تراجع أعداد الوافدين.

وشكلت إيرادات السياحة نحو 4.1% من الناتج المحلي الإجمالي التركي في 2025، ما يجعل القطاع مصدراً مهماً للعملات الأجنبية وركيزة أساسية لدعم الحسابات الخارجية للبلاد واستقرار الليرة.

لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع الشركات السياحية، إذ تواجه هذه الشركات ضغوطاً متزايدة على هوامش أرباحها بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال إمره نارين، نائب رئيس مجلس إدارة «مارتي أوتيل إشليتميليري»، التي تدير منشآت سياحية على الريفييرا التركية، إن التحدي الأساسي أمام القطاع لم يعد مرتبطاً فقط بعدد السياح، وإنما بقدرة الشركات على الحفاظ على أرباحها في ظل ارتفاع التكاليف.

وزادت التوترات الجيوسياسية من صعوبة الموسم، بعدما اندلعت حرب إيران في توقيت تزامن مع ذروة الحجوزات المبكرة للعطلات الصيفية، ما دفع بعض المسافرين إلى تأجيل قرارات السفر أو تغيير وجهاتهم.

وقال نارين إن بداية الموسم جاءت صعبة، ولم يبدأ النشاط في استعادة زخمه إلا خلال يوليو.

وبينما لا تزال تركيا تحتفظ بعوامل جذب قوية، من الشواطئ والمنتجعات إلى قربها من الأسواق الأوروبية وتنوع خيارات الإقامة، فإن ارتفاع الأسعار بدأ يهدد إحدى أهم نقاط قوتها التقليدية.

وبالنسبة لصناعة السياحة التركية، بات التحدي مزدوجاً: الحفاظ على تدفق الزوار من جهة، ومنع ارتفاع التكاليف وسعر الخدمات من تحويل البلاد من وجهة اقتصادية جذابة إلى خيار أكثر تكلفة مقارنة بمنافسين إقليميين وأوروبيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى