تجارة سرية للهواتف بالمغرب تستنفر السوق بشبكات تمويل وتهريب

تحولت تجارة الهواتف المحمولة بالمغرب، وفق معطيات أوردتها جريدة الصباح، إلى مجال تستقطب فيه شبكات تنشط خارج القنوات القانونية أرباحا مهمة، مستفيدة من فارق الأسعار بين الأسواق الخارجية والسوق الوطنية، ومن عمليات تستهدف إدخال أجهزة محمولة إلى المملكة دون المرور الكامل عبر المساطر الجمركية وأداء مختلف الرسوم والمستحقات المرتبطة بالاستيراد.
وتشمل هذه الأنشطة هواتف مرتفعة القيمة، خصوصا الأجهزة الحديثة من علامة «آيفون»، إلى جانب نماذج منخفضة التكلفة يتم اقتناؤها بكميات كبيرة من الخارج، قبل إعادة توزيعها داخل السوق المغربية عبر قنوات غير رسمية.
وتكشف المعطيات عن بروز دور صيارفة في تمويل جزء من هذه العمليات، من خلال توفير العملة الصعبة لفائدة أشخاص يتولون اقتناء الهواتف من الأسواق الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة وبعض دول الخليج، على أن تتم تسوية قيمة هذه المعاملات داخل المغرب بالدرهم، مقابل عمولات يحصل عليها الصيرفي.
وبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة «الصباح»، فإن العملية تبدأ بتكفل الصيرفي بأداء قيمة صفقات شراء الهواتف في الخارج بالعملة الصعبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأجهزة «آيفون» مرتفعة الثمن. وبعد إتمام عملية الاقتناء، يتسلم الصيرفي داخل المغرب ما يعادل المبلغ الذي دفعه بالدرهم، إلى جانب عمولة مقابل توفير السيولة وتنفيذ العملية.
ولا تنتهي العملية عند اقتناء الأجهزة، إذ تأتي بعدها مرحلة إدخال الهواتف إلى المغرب، حيث تتم الاستعانة بوسطاء لتجاوز القنوات القانونية، قبل نقل الأجهزة إلى شبكات تتكلف بتوزيعها على تجار ينشطون في أسواق متخصصة في بيع الهواتف المحمولة.
ويمنح عدم تحمل الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على عمليات الاستيراد النظامية هذه الشبكات هامشا واسعا للمناورة، إذ تصبح قادرة على عرض الأجهزة بأسعار أقل من تلك التي يطرحها المستوردون والتجار الملتزمون بالقواعد القانونية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هوامش ربح مهمة، خصوصا في الصفقات التي تشمل أعدادا كبيرة من الهواتف مرتفعة القيمة.
وتأخذ التجارة غير القانونية مسارا مختلفا عندما يتعلق الأمر بالهواتف منخفضة الثمن، إذ تشير المعطيات إلى وجود شبكات تعمل على اقتناء كميات ضخمة من بعض الهواتف، خاصة أجهزة «نوكيا»، من السوق الصينية، قبل محاولة إدخالها إلى المغرب ضمن شحنات تضم سلعا وبضائع أخرى.
وتعتمد هذه العمليات، بحسب المصادر نفسها، على إخفاء الهواتف وسط محتويات الحاويات والشحنات القادمة إلى الموانئ المغربية، في محاولة لتفادي التصريح الفعلي بطبيعة الأجهزة أو بالكميات التي يتم نقلها، قبل إخراجها وتوجيهها نحو قنوات التوزيع الداخلية.
وبعد وصول هذه الأجهزة إلى السوق الوطنية، تتولى شبكات توزيع إيصالها إلى تجار ينشطون في عدد من الأسواق المعروفة بتجارة الهواتف المحمولة، حيث تجد هذه المنتجات إقبالا بفعل أسعارها المنخفضة وهوامش الربح التي توفرها عند إعادة بيعها للمستهلكين.
وتشير المعطيات إلى أن بعض الهواتف منخفضة التكلفة يتم اقتناؤها بالجملة بسعر لا يتجاوز 110 دراهم للهاتف الواحد، قبل طرحها للبيع بأكثر من ضعف هذا السعر، ما يتيح للمتدخلين في هذه السلسلة تحقيق هوامش ربح مهمة خلال فترة قصيرة.
ولا تقتصر تداعيات هذه التجارة على خسائر محتملة مرتبطة بالرسوم والضرائب غير المؤداة، بل تمتد إلى طبيعة المنظومة التي تقف وراءها، والتي تجمع بين تمويل عمليات الشراء في الخارج، وتوفير العملة الصعبة، وتنظيم عمليات نقل وإدخال الأجهزة، ثم توزيعها على شبكة من التجار داخل السوق الوطنية.
وتطرح هذه الممارسات، في المقابل، إشكالا تنافسيا بالنسبة إلى المستوردين والتجار الذين يشتغلون وفق القنوات القانونية، إذ يتحمل هؤلاء تكاليف الاستيراد والرسوم والضرائب وغيرها من الأعباء المرتبطة بالنشاط، في وقت تستطيع فيه القنوات غير الرسمية طرح الأجهزة بأسعار أكثر انخفاضا بفضل تفادي جزء من هذه التكاليف.
وبذلك، تكشف تجارة الهواتف خارج المسالك القانونية عن سوق موازية تستفيد من الفوارق السعرية وتعدد حلقات الوساطة، فيما يظل ضبط هذه الأنشطة مرتبطا بقدرة الجهات المختصة على تتبع مسارات التمويل والاستيراد والتوزيع، والتأكد من احترام القواعد الجمركية والضريبية المنظمة لتجارة الأجهزة الإلكترونية.




