النحاس عند مستويات قياسية وسط سباق الذكاء الاصطناعي وتحديات الإمدادات العالمية

واصل النحاس التحرك قرب أعلى مستوياته التاريخية خلال تعاملات الجمعة، رغم تسجيله تراجعاً طفيفاً بعد موجة صعود قوية قادته إلى مستويات قياسية، في وقت تتغير فيه العوامل المؤثرة على المعدن الأحمر، الذي لطالما اعتُبر مؤشراً رئيسياً على اتجاهات الاقتصاد العالمي.
وانخفضت العقود الآجلة للنحاس في الولايات المتحدة بنسبة 1.4% إلى نحو 6.61 دولار للرطل، بعدما سجلت في الجلسة السابقة مستوى قياسياً جديداً عند 6.90 دولار، قبل أن تتراجع الأسعار بفعل عمليات جني الأرباح.
ويأتي الأداء القوي للنحاس في ظل مشهد اقتصادي أكثر تعقيداً، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار يعكس فقط قوة النمو العالمي كما كان الحال سابقاً، بل أصبح مرتبطاً بمجموعة من العوامل الجديدة، أبرزها نقص المعروض، وتوسع الاستثمارات في البنية التحتية الكهربائية، والطلب المتزايد من قطاع الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى المخاوف التجارية والجيوسياسية.
ويُعرف النحاس منذ عقود بلقب “دكتور النحاس”، نظراً لاستخدامه كمؤشر مبكر على صحة الاقتصاد العالمي، باعتباره معدناً أساسياً في قطاعات البناء والصناعة والنقل والإلكترونيات. غير أن التحولات الحالية جعلت قراءة تحركاته أكثر صعوبة، مع دخول عوامل جديدة تؤثر في الطلب والأسعار.
ويرى محللون أن جزءاً كبيراً من الارتفاع الأخير يعود إلى الطلب المتزايد على النحاس من مراكز البيانات وشبكات الكهرباء، التي تحتاج إلى كميات ضخمة من المعدن لدعم التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح خبراء أن هذا النوع من الطلب يختلف عن النمو الاقتصادي التقليدي، إذ يرتبط بشكل أكبر بزيادة استهلاك الكهرباء وتطوير البنية التحتية الرقمية، ما يجعل ارتفاع الأسعار لا يعكس بالضرورة توسعاً واسعاً في النشاط الاقتصادي العالمي.
إلى جانب قوة الطلب، تلعب محدودية المعروض دوراً محورياً في دعم أسعار النحاس، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف التعدين وطول المدة اللازمة لتطوير مناجم جديدة، والتي قد تصل إلى نحو عقد كامل قبل بدء الإنتاج الفعلي.
وقال مايكل ويدمر، رئيس أبحاث المعادن لدى بنك أوف أمريكا، إن الصعود الحالي لأسعار النحاس يرتبط بدرجة أكبر بقيود المعروض وليس فقط بزيادة الطلب، مشيراً إلى أن نمو إنتاج المناجم العالمي لا يزال محدوداً، في وقت تواجه فيه بعض الدول المنتجة اضطرابات تؤثر على الإنتاج.
وشهدت عمليات التعدين في تشيلي، أكبر منتج للنحاس عالمياً، تحديات مرتبطة بظروف مناخية صعبة، بعدما تسببت الأمطار الغزيرة والثلوج والرياح القوية في تعطيل بعض الأنشطة، ما ساهم في تشديد ضغوط الإمدادات.
كما زادت المخاوف المرتبطة بالسياسات التجارية الأمريكية، خصوصاً مع احتمالات فرض رسوم جمركية على واردات النحاس، إلى جانب القيود الصينية على توافر خردة النحاس، الأمر الذي عزز المخاوف بشأن توازن السوق خلال الفترة المقبلة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن سابقاً فرض رسوم بنسبة 50% على بعض واردات منتجات النحاس نصف المصنعة والمنتجات المشتقة ذات الاستخدام المكثف للمعدن.
رغم التحديات الاقتصادية العالمية، لا يزال الطلب على النحاس قوياً، مدفوعاً بشكل رئيسي بالتحول نحو الاقتصاد الكهربائي وتوسع مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
وفي الصين، ارتفعت الاستثمارات في شبكات الكهرباء خلال النصف الأول من العام بنسبة 13% على أساس سنوي، كما كشفت بكين عن خطط ضخمة لتحديث وتطوير شبكات الطاقة بقيمة تقدر بنحو 574 مليار دولار.
كما تلقى السوق دعماً إضافياً بعد إعلان جمهورية الكونغو الديمقراطية، أحد أكبر منتجي النحاس والكوبالت، فرض قيود على تصدير مركزات النحاس والكوبالت بهدف تعزيز عمليات المعالجة المحلية.




