اقتصاد المغربالأخبار

المقاولات المغربية تدخل نهاية 2026 تحت ضغط الأجور والتوظيف والاحتفاظ بالكفاءات

تدخل المقاولات المغربية المرحلة الأخيرة من سنة 2026 في ظل مناخ يتسم بالحذر المتزايد، بعدما كشفت أولى نتائج مؤشر الثقة لدى مديري الموارد البشرية بالمغرب عن تصاعد الضغوط المرتبطة بكلفة الأجور والتوظيف والاحتفاظ بالكفاءات، إلى جانب تنامي المخاوف بشأن المناخ الاجتماعي داخل المؤسسات.

وأظهر المؤشر، الذي أطلقته منصة DRH.ma، أن مستوى الثقة لدى مسؤولي الموارد البشرية استقر عند 26,5 نقطة من أصل 100، مقابل عتبة حياد محددة في 50 نقطة، ما يعكس غلبة التوقعات السلبية بشأن تطورات الربع الأخير من السنة.

واستندت النسخة الأولى من المؤشر إلى استطلاع شمل 204 مسؤولين ومديري موارد بشرية، جرى استجوابهم خلال الفترة الممتدة بين 17 و28 شتنبر 2026، حول توقعاتهم للثلاثة أشهر الأخيرة من السنة.

وتكشف النتائج عن مستوى مرتفع من القلق داخل إدارات الموارد البشرية، إذ عبر 78 في المائة من المشاركين عن شعورهم بالقلق، من بينهم 22,1 في المائة وصفوا أنفسهم بأنهم شديدو القلق، مقابل 10,8 في المائة فقط أبدوا ثقة في تحسن الوضع خلال الفترة المقبلة.

ويستند المؤشر إلى خمسة محاور رئيسية تتمثل في التوظيف، والاحتفاظ بالعاملين، وانخراط الموظفين، والمناخ الاجتماعي، والضغط على الأجور وميزانيات الموارد البشرية. ولم يتمكن أي من هذه المحاور من بلوغ عتبة الحياد البالغة 50 نقطة.

وسجل انخراط العاملين أفضل نتيجة بـ39 نقطة، يليه مؤشر التوظيف بـ33,8 نقطة، ثم القدرة على الاحتفاظ بالعاملين بـ30,4 نقطة، والمناخ الاجتماعي بـ22,5 نقطة، فيما جاء الضغط على الأجور وميزانيات الموارد البشرية في أدنى مستوى، مكتفياً بـ6,6 نقاط.

وتبرز تكلفة الموارد البشرية باعتبارها التحدي الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المقاولات، إذ يتوقع 88 في المائة من مسؤولي الموارد البشرية ارتفاع الضغط على الأجور والميزانيات خلال الربع الأخير من السنة، بينما لا يتوقع تراجعه سوى 1 في المائة.

وتعكس هذه الأرقام انتقال مسألة التحكم في تكاليف الموارد البشرية إلى صدارة اهتمامات المقاولات، التي تواجه في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على هوامشها المالية وتجنب فقدان الكفاءات أو تراجع مستوى انخراط الموظفين.

ويؤكد ترتيب أولويات مسؤولي الموارد البشرية هذا الاتجاه، إذ وضع 86,8 في المائة منهم الأداء الاقتصادي والتحكم في تكاليف الموارد البشرية ضمن أولوياتهم الثلاث الرئيسية.

وتبدو هذه الأولوية أكثر حضوراً لدى المقاولات المغربية الخاصة مقارنة بفروع المجموعات متعددة الجنسيات والمؤسسات العمومية وشبه العمومية.

ويرتبط الضغط على تكاليف الموارد البشرية، وفق المشاركين، بشكل أساسي بارتفاع كتلة الأجور، والحاجة إلى الحفاظ على الهوامش، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، فضلاً عن سياسات ضبط الميزانيات داخل المؤسسات.

في المقابل، احتل ملف الأجور والإنصاف والامتثال المرتبة الثانية ضمن أولويات إدارات الموارد البشرية، بعدما اختاره 63,7 في المائة من المشاركين.

ويرتبط هذا المحور بالضغوط المتزايدة حول سياسات الأجور، سواء نتيجة المتطلبات التنظيمية أو الحاجة إلى الحد من الفوارق الداخلية، إلى جانب ضرورة الحفاظ على مستويات أجور قادرة على مواكبة تطورات سوق العمل.

وجاء الاحتفاظ بالعاملين والانخراط والمناخ الاجتماعي في المرتبة الثالثة، بعدما أدرجه 61,3 في المائة من المشاركين ضمن أولوياتهم.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظل المخاوف من فقدان الكفاءات، حيث أشار مسؤولو الموارد البشرية إلى تحفيز العاملين وتغير انتظاراتهم وخطر مغادرة الكفاءات باعتبارها عوامل رئيسية وراء التركيز على الاحتفاظ بالموارد البشرية.

وفي هذا السياق، لم يتجاوز مؤشر القدرة على الاحتفاظ بالعاملين 30,4 نقطة، بعدما توقع 46 في المائة من المشاركين تراجع قدرة مؤسساتهم على الاحتفاظ بالموظفين خلال الربع الأخير، مقابل 6 في المائة فقط توقعوا تحسنها.

وكان الضغط أكثر وضوحاً لدى المقاولات المغربية الخاصة، التي سجلت 24,8 نقطة، مقابل 41,9 نقطة لدى فروع المجموعات متعددة الجنسيات و50 نقطة لدى المؤسسات العمومية وشبه العمومية.

ولا تبدو سوق التوظيف أكثر تفاؤلاً، إذ استقر مؤشر التوظيف عند 33,8 نقطة، بعدما توقع 42 في المائة من المشاركين تراجع نوايا التوظيف، مقابل 9 في المائة فقط رجحوا ارتفاعها، فيما توقع الباقون استقرارها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التوظيف خلال نهاية السنة قد يرتبط بدرجة أكبر بسد الشغور وتعويض الموظفين المغادرين وإعادة تنظيم الموارد البشرية، بدل توسيع أعداد العاملين استجابة لنمو قوي في النشاط.

ومن بين مسؤولي الموارد البشرية الذين وضعوا استقطاب الكفاءات ضمن أولوياتهم، أفاد 70,3 في المائة بأن الحاجة إلى التوظيف ترتبط بتعويض المغادرين، بينما ربط 60,9 في المائة الحاجة إلى التوظيف بإعادة هيكلة الموارد البشرية عقب عمليات تنظيم داخلية.

في المقابل، لم تتجاوز الحاجة إلى كفاءات جديدة 20,3 في المائة، فيما لم يمثل ارتفاع النشاط سوى 14,1 في المائة من دوافع التوظيف.

وتختلف الصورة حسب طبيعة المؤسسة، إذ بلغ مؤشر التوظيف 30,3 نقطة لدى المقاولات المغربية الخاصة، مقابل 34,9 نقطة لدى فروع المجموعات متعددة الجنسيات و62,5 نقطة لدى المؤسسات العمومية وشبه العمومية.

كما يرتفع مستوى الثقة في التوظيف مع ارتفاع حجم المؤسسة، من 25,4 نقطة لدى المؤسسات التي يقل عدد العاملين فيها عن 250 موظفاً إلى 44,6 نقطة لدى المؤسسات التي يتجاوز عدد العاملين فيها ألف موظف.

تمتد حالة القلق كذلك إلى المناخ الاجتماعي داخل المقاولات، حيث لم يتجاوز المؤشر المرتبط به 22,5 نقطة.

ويتوقع 60 في المائة من مسؤولي الموارد البشرية تدهور المناخ الاجتماعي داخل مؤسساتهم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة، مقابل 5 في المائة فقط يتوقعون تحسنه.

وسجلت المقاولات المغربية الخاصة أضعف نتيجة في هذا الجانب بـ17,6 نقطة، مقابل 34,9 نقطة لدى فروع المجموعات متعددة الجنسيات.

أما مؤشر انخراط العاملين، الذي سجل أفضل نتيجة بين المحاور الخمسة، فلم يتجاوز 39 نقطة. ويتوقع 30 في المائة من المشاركين تراجع مستوى الانخراط، مقابل 8 في المائة يرجحون ارتفاعه، بينما يتوقع 62 في المائة استقراره.

وسجلت فروع المجموعات متعددة الجنسيات أفضل أداء في هذا المجال عند 50 نقطة، أي عند عتبة الحياد، مقابل 34,8 نقطة لدى المقاولات المغربية الخاصة.

ويكشف المؤشر العام عن فجوة واضحة بحسب طبيعة المؤسسات، إذ بلغ 35,6 نقطة لدى فروع المجموعات متعددة الجنسيات، مقابل 21,9 نقطة لدى المقاولات المغربية الخاصة.

أما المؤسسات العمومية وشبه العمومية فسجلت 43,8 نقطة، وهي النتيجة الأقرب إلى مستوى الحياد، مع ضرورة التعامل معها بحذر بسبب محدودية حجم العينة الخاصة بهذه الفئة، التي لم تتجاوز 16 مشاركاً.

كما يظهر حجم المؤسسة عاملاً مرتبطاً بمستوى الثقة، إذ سجل المؤشر 20,3 نقطة لدى المؤسسات التي يقل عدد العاملين فيها عن 250، مقابل 27,5 نقطة لدى المؤسسات التي تضم بين 250 و500 عامل، و29,4 نقطة لدى المؤسسات التي يتراوح عدد العاملين فيها بين 501 و1000، قبل أن يصل إلى 33,9 نقطة لدى المؤسسات التي يتجاوز عدد العاملين فيها ألف موظف.

غير أن هذه النتائج لا تسمح بالضرورة بإثبات علاقة سببية مباشرة بين حجم المؤسسة ومستوى الثقة، خصوصاً في ظل تفاوت أحجام العينات بين مختلف الفئات.

ورغم تسارع التحول الرقمي، لا يزال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا يحتلان موقعاً محدوداً ضمن أولويات إدارات الموارد البشرية، إذ لم يدرجهما سوى 27 في المائة من المشاركين ضمن أولوياتهم الثلاث.

غير أن هذه النسبة ترتفع بشكل ملحوظ داخل المؤسسات الكبرى، حيث يصبح التحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي أولوية لدى أكثر من نصف مسؤولي الموارد البشرية.

وتتركز الاستخدامات المنتظرة لهذه التقنيات في تحسين استقطاب الكفاءات، وتطوير تجربة الموظفين، وأتمتة عمليات الموارد البشرية، فضلاً عن تحسين جودة البيانات والاستفادة منها في التحليل واتخاذ القرار.

أما تطوير الكفاءات والإدارة فلم يتجاوز 29,9 في المائة ضمن الأولويات الثلاث للمسؤولين، في ظل تركيز أكبر على معالجة الضغوط المباشرة المرتبطة بالأجور والتوظيف والاحتفاظ بالعاملين.

وتقدم نتائج المؤشر الأول صورة لوظيفة الموارد البشرية في المغرب وهي تواجه معادلة معقدة في نهاية 2026: التحكم في التكاليف من جهة، والحفاظ على الكفاءات والانخراط والمناخ الاجتماعي من جهة أخرى.

ولا يعني تسجيل المؤشر العام 26,5 نقطة بالضرورة أن الأجور ستنخفض أو أن التوظيف سيتراجع فعلياً بالمستويات نفسها، باعتبار أن المؤشر يقيس توقعات مسؤولي الموارد البشرية وليس التطورات الفعلية داخل المقاولات.

وتكتسب هذه النسخة الأولى أهمية إضافية باعتبارها تشكل خط أساس يمكن الاستناد إليه في الإصدارات المقبلة لقياس تطور ثقة مسؤولي الموارد البشرية، في ظل استمرار الضغوط على تكاليف المقاولات وتغير احتياجات سوق الشغل وتسارع التحول التكنولوجي.

وتشير الخلاصة الأبرز للمؤشر إلى أن إدارات الموارد البشرية المغربية تدخل نهاية السنة وهي تواجه ضغوطاً متزامنة، تتصدرها كلفة الأجور والميزانيات، وضعف نوايا التوظيف، وصعوبة الاحتفاظ بالكفاءات، والمخاوف المرتبطة بالمناخ الاجتماعي، ما يجعل تدبير الموارد البشرية أحد أبرز التحديات التي ستواجه المقاولات خلال المرحلة المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى