المغرب يختبر تقنية جديدة لتحرير البوتاسيوم من الصخور ودعم صناعة الأسمدة

تتجه الأبحاث العلمية في المغرب إلى استكشاف إمكانات جديدة للاستفادة من الموارد المعدنية المحلية في دعم القطاع الزراعي، بعدما أظهرت دراسة مشتركة بين جامعة محمد السادس متعددة التخصصات وCanadian Light Source نتائج مشجعة بشأن إمكانية تحرير البوتاسيوم الموجود داخل صخور السيينيت، باستخدام تقنية المعالجة الحرارية المائية.
وتشير النتائج إلى إمكانية تحويل هذا النوع من الصخور إلى مادة معدنية أكثر قابلية لإطلاق البوتاسيوم، ما يفتح مساراً بحثياً نحو تطوير مصادر محلية يمكن أن تدخل مستقبلاً في إنتاج الأسمدة أو تحسين خصائص بعض أنواع التربة.
غير أن هذه النتائج لا تزال محصورة في المستوى المخبري، ولا تتوفر حتى الآن تجارب زراعية كافية تسمح بالتوصية باستخدام المادة مباشرة في الحقول.
يُعد السيينيت من الصخور النارية التي تحتوي على معادن غنية بالبوتاسيوم، لكن وجود هذا العنصر داخل البنية البلورية لبعض المعادن، وعلى رأسها الفلدسبار، يجعله في صورته الطبيعية أقل قابلية للتحرر والوصول إلى جذور النباتات.
ولرفع درجة استفادة النباتات المحتملة منه، عمد الباحثون إلى معالجة الصخر باستخدام أكسيد الكالسيوم في ظروف حرارية مائية، مع اعتماد درجات حرارة تراوحت بين 160 و200 درجة مئوية لمدة وصلت إلى سبع ساعات.
وأظهرت النتائج أن رفع درجة حرارة المعالجة أدى إلى تغييرات واضحة في التركيب المعدني للصخر. فعند بلوغ درجة 200 درجة مئوية، تراجعت نسبة الفلدسبار البوتاسي إلى نحو 50%، بالتزامن مع تشكل ما يقارب 40% من أطوار معدنية حاملة للبوتاسيوم تتميز بقابلية أكبر للتحرر.
وأجريت اختبارات باستخدام الماء لقياس مدى تحرر العناصر من المادة المعالجة، حيث كشفت النتائج عن مرحلتين مختلفتين في عملية إطلاق البوتاسيوم.
ففي البداية، حدث تحرر سريع نسبياً للعنصر، قبل أن تدخل العملية مرحلة ثانية اتسمت بتحرر أكثر تدريجاً نتيجة انتشار البوتاسيوم من داخل المادة المعدنية.
وبعد حوالي 15 دقيقة من الاختبار، سجلت القياسات تركيزاً بلغ نحو 1600 ملغ من البوتاسيوم لكل لتر، في حين وصل تركيز الكالسيوم إلى حوالي 900 ملغ لكل لتر.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن الكميات المسجلة تمثل جرعات مناسبة لتسميد المحاصيل، إذ إنها تعكس فقط سلوك المادة في ظروف تجربة مخبرية، ولا تحدد مقدار البوتاسيوم الذي يمكن للنباتات امتصاصه فعلياً في التربة.
وتأتي الدراسة الجديدة في سياق سلسلة من الأبحاث التي تبحث في إمكانية تثمين الصخور المغربية الغنية بالعناصر المعدنية والاستفادة منها في القطاع الزراعي.
وسبق لباحثين أن اختبروا، في عام 2021، طرقاً للمعالجة القلوية لصخور السيينيت والتراكيت القادمة من عدد من المناطق المغربية، من بينها تامازيغت وجبل بوحّو وآيت ساون وإل غلواع.
كما تناولت دراسة نشرت في 2025 إمكانات تثمين صخور السيينيت الموجودة في جنوب المغرب، في إطار البحث عن طرق جديدة للاستفادة من الموارد المعدنية المحلية.
ويعكس تراكم هذه الدراسات اهتماماً متزايداً بإمكانية تحويل بعض الموارد الجيولوجية المغربية إلى مواد ذات قيمة مضافة، خصوصاً في قطاع الأسمدة الذي يمثل أحد المكونات الأساسية للأمن الزراعي.
وأظهرت التجارب أيضاً تحرر الكالسيوم ووجود مؤشرات مرتبطة بعملية الكربنة، وهو ما يفتح احتمال دراسة المادة مستقبلاً باعتبارها محسناً للتربة في ظروف معينة.
لكن هذا الاستخدام المحتمل لا يمكن تعميمه على جميع الأراضي الزراعية المغربية، إذ تختلف خصائص التربة بشكل كبير من منطقة إلى أخرى. كما أن وجود تربة كلسية أو قلوية في عدد من المناطق يعني أن إضافة كميات إضافية من الكالسيوم قد لا توفر بالضرورة الفائدة نفسها التي يمكن تحقيقها في الترب الحمضية.
لذلك، يحتاج هذا الجانب بدوره إلى تجارب ميدانية مستقلة لتحديد أنواع التربة التي يمكن أن تستفيد من المادة والجرعات المناسبة لكل حالة.
ورغم النتائج المخبرية الواعدة، لا تزال هناك مراحل عديدة يتعين تجاوزها قبل الحديث عن تحويل السيينيت المعالج إلى منتج تجاري موجه للمزارعين.
ويحتاج الباحثون إلى إجراء تجارب على محاصيل مختلفة وترب متنوعة، بهدف تحديد مدى استفادة النباتات فعلياً من البوتاسيوم المحرر، إلى جانب دراسة تأثير المادة على خصائص التربة والمحاصيل على المدى القصير والطويل.
كما يتعين تحليل التركيبة الكاملة للصخر المعالج والتحقق من سلامته، وتحديد الجرعات المناسبة، فضلاً عن تقييم الجوانب الاقتصادية المرتبطة بطحن الصخور ومعالجتها حرارياً.
وتطرح المعالجة في درجات حرارة مرتفعة بدورها تساؤلات بشأن استهلاك الطاقة وتكلفة الإنتاج، وهي عوامل ستحدد في نهاية المطاف مدى قدرة هذه التقنية على منافسة مصادر البوتاسيوم والأسمدة المتاحة في السوق.
وعليه، فإن السيينيت المعالج لا يمثل في الوقت الراهن سماداً جاهزاً للاستخدام التجاري، وإنما مادة بحثية واعدة أثبتت قدرتها في المختبر على جعل جزء من البوتاسيوم أكثر قابلية للتحرر.
وفي حال أكدت التجارب الزراعية المقبلة فعالية هذه المادة وسلامتها وجدواها الاقتصادية، فقد تتحول هذه الأبحاث إلى خطوة مهمة نحو تثمين الموارد المعدنية المغربية وتطوير مدخلات زراعية محلية، بما يعزز تنويع مصادر المواد الأولية المستخدمة في قطاع الأسمدة ويفتح آفاقاً جديدة أمام البحث العلمي والصناعة الزراعية في المملكة.




