المغرب يتوقع نمواً بنسبة 5,3 في المائة خلال 2026 مدفوعاً بزهو الفلاحة وانتعاش التمويل

يراهن المغرب على سنة اقتصادية قوية خلال 2026، بعدما أظهرت المعطيات الحكومية الأخيرة تحسنا ملحوظا في مختلف المؤشرات، مع توقع تسجيل معدل نمو يصل إلى 5.3 في المائة، في أداء يتجاوز التوقعات التي بني عليها قانون المالية للسنة نفسها بـ0.7 نقطة مئوية.
ويعكس هذا الارتفاع المنتظر تحولا إيجابيا في مسار الاقتصاد الوطني، مدفوعا بانتعاش مرتقب في القطاع الفلاحي، الذي ينتظر أن تسجل قيمته المضافة نموا بنسبة 15.1 في المائة، إلى جانب استمرار الأنشطة غير الفلاحية في الحفاظ على وتيرتها التصاعدية، مع توقع تحقيقها نموا يناهز 4.2 في المائة.
وحسب عرض قدمته وزارة الاقتصاد والمالية حول الإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 والبرمجة الميزانياتية للفترة الممتدة بين 2027 و2029، فإن هذا الأداء يعكس تنوع محركات النمو الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار دينامية الاستثمار وتماسك الطلب الداخلي، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بتقلبات الاقتصاد العالمي.
وأوضحت الوزارة أن التحسن المتوقع خلال 2026 يأتي في سياق اقتصادي أكثر دعما، بفضل انتعاش التمويل، وتحسن مناخ الاستثمار، واستمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الهادفة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية.
وخلال اجتماع مشترك للجنتي المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب ولجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي أن تحسن شروط التمويل لعب دورا محوريا في دعم النشاط الاقتصادي.
وأشارت الوزيرة إلى أن بنك المغرب واصل سياسته النقدية التيسيرية، من خلال الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2.25 في المائة منذ مارس 2025، بعد تخفيضات متتالية بلغ مجموعها 75 نقطة أساس منذ يونيو 2024، وذلك في ظل تراجع مستويات التضخم واستقرار توقعاته.
وأضافت أن هذا التوجه انعكس بشكل إيجابي على تكلفة الاقتراض، حيث تراجع متوسط أسعار الفائدة المدينة خلال الفصل الأول من سنة 2026 بنحو 16 نقطة أساس ليستقر عند 4.66 في المائة، فيما بلغ الانخفاض التراكمي منذ يونيو 2024 حوالي 77 نقطة أساس.
وكانت المقاولات المستفيد الأكبر من هذا التحسن، بعدما انخفضت أسعار الفائدة المطبقة عليها بـ83 نقطة أساس، مقابل تراجع بـ15 نقطة أساس بالنسبة للأفراد، وهو ما ساهم في تخفيف كلفة التمويل وتحفيز المشاريع الاستثمارية.
وسجل تمويل القطاع غير المالي بدوره تطورا لافتا خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، بعدما ارتفع حجم الائتمان البنكي بـ31 مليار درهم، أي بنسبة 2.9 في المائة، مسجلا بذلك أقوى تدفق سنوي خلال الفترة نفسها منذ سنة 2011.
ويأتي هذا الأداء مقارنة مع زيادة لم تتجاوز 3.7 مليارات درهم أو 0.4 في المائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025، ما يعكس تحسنا واضحا في توجه البنوك نحو تمويل الاقتصاد.
وأكدت وزيرة الاقتصاد والمالية أن هذا الانتعاش ارتبط بشكل أساسي بارتفاع قروض التجهيز بنسبة 7.5 في المائة، وهو ما يعكس استمرار الدينامية الاستثمارية، إلى جانب نمو القروض العقارية وقروض الاستهلاك بنسبة 1.4 في المائة لكل منهما.
وعلى مستوى التشغيل، سجلت الحكومة تحسنا تدريجيا في مؤشرات سوق العمل، رغم استمرار انعكاسات سنوات الجفاف، خصوصا في المناطق القروية التي تأثرت بشكل كبير بتراجع النشاط الفلاحي.
وأفادت نادية فتاح العلوي بأن القطاع الفلاحي فقد منذ سنة 2019 حوالي 905 آلاف منصب شغل، معظمها وظائف غير مؤدى عنها، بسبب تداعيات الظروف المناخية الصعبة وتراجع الموارد المائية.
في المقابل، بدأت سوق الشغل تستعيد جزءا من ديناميتها منذ النصف الثاني من سنة 2024، حيث تعزز هذا المسار خلال سنة 2025 بإحداث 193 ألف منصب شغل صافٍ، وهي أفضل حصيلة سنوية منذ سنة 2006 باستثناء سنة 2021 التي شهدت انتعاشا استثنائيا عقب تداعيات جائحة كورونا.
وساهم ارتفاع وتيرة خلق فرص العمل في خفض معدل البطالة إلى 13 في المائة خلال سنة 2025، مع تسجيل تحسن في الوسط الحضري بانخفاض بلغ 0.5 نقطة ليستقر المعدل عند 16.4 في المائة.
ورغم هذه النتائج، لا تزال الحكومة تعتبر البطالة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بالنسبة للشباب والنساء وحاملي الشهادات، إضافة إلى ضرورة تعزيز إدماج سكان العالم القروي في سوق الشغل.
وفي ما يخص تطورات سوق الشغل خلال الفصل الأول من سنة 2026، كشفت نتائج البحث الجديد حول القوى العاملة أن عدد المشتغلين مقابل دخل بلغ 10.364 ملايين شخص، فيما استقر معدل البطالة وفق المفهوم الضيق عند 10.8 في المائة.
وأكدت الوزارة أن المعطيات التفصيلية المتعلقة بالتطورات الزمنية ما تزال قيد الإعداد، ما يجعل إجراء مقارنات دقيقة مع الفترات السابقة أمرا غير ممكن في المرحلة الحالية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الاقتصاد المغربي يدخل سنة 2026 بزخم أقوى، مستفيدا من انتعاش الفلاحة، تحسن ظروف التمويل، توسع الاستثمار، وانتعاش تدريجي لسوق الشغل، مع استمرار الحاجة إلى تعزيز الإصلاحات لمواجهة تحديات التشغيل وتقلبات الاقتصاد الدولي.




