السغروشني: المغرب يبني سيادته الرقمية عبر نموذج للذكاء الاصطناعي يستجيب لاحتياجاته

يعمل المغرب على بلورة رؤية استراتيجية جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تقوم على تطوير منظومة رقمية وطنية مستقلة تراعي خصوصياته اللغوية والثقافية والاقتصادية، مع التركيز على توظيف التكنولوجيا لخدمة التنمية وتحسين جودة الخدمات العمومية، بدلاً من الانخراط في سباق عالمي يعتمد على الاستثمارات الضخمة في الحوسبة العملاقة والبنية التحتية.
وفي هذا الإطار، أكدت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أن المملكة اختارت ما أسمته “الطريق الثالث” في الذكاء الاصطناعي، وهو نموذج يرتكز على امتلاك التكنولوجيا وتكييفها مع الواقع المغربي، بما يضمن تحقيق سيادة رقمية حقيقية ويجعل الابتكار وسيلة للاستجابة لاحتياجات المواطنين وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضحت السغروشني، في مقال رأي نشرته على منصة Project Syndicate، أن النماذج العالمية السائدة للذكاء الاصطناعي تشكلت انطلاقاً من بيانات ولغات وأولويات الدول التي طورتها، وهو ما يحد من قدرتها على تلبية احتياجات العديد من البلدان التي لم تشارك في بناء هذه المنظومات الرقمية.
وأبرزت أن الرهان المغربي لا يتمثل في منافسة القوى الكبرى على امتلاك أكبر مراكز الحوسبة أو البنى التحتية الضخمة، وإنما في إنشاء منظومة وطنية متكاملة تعتمد على تنظيم البيانات، وتأهيل الكفاءات، وتحديد الأولويات، مع توجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي نحو قطاعات استراتيجية تشمل التعليم، والصحة، والإدارة، والفلاحة، والصناعة، والدفاع، والابتكار، والصناعات الثقافية.
وأضافت أن هذه الرؤية جاءت ثمرة للنقاشات التي أفرزتها المناظرات الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي احتضنتها الرباط سنة 2025، وأسهمت في رسم ملامح استراتيجية مغربية تستجيب لمتطلبات التنمية والتحول الرقمي.
وفي قراءتها للتحولات الدولية، اعتبرت الوزيرة أن العالم يشهد انتقالاً إلى مرحلة جديدة أصبح فيها التمييز بين الدول قائماً على قدرتها على إنتاج التكنولوجيا والتحكم فيها، وليس فقط على مستوى التنمية الاقتصادية.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تعتمد على استثمارات القطاع الخاص والشركات الرقمية العملاقة، بينما جعلت الصين الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في استراتيجيتها العالمية، في حين تسعى أوروبا إلى تحقيق توازن بين الابتكار والأطر التنظيمية.
وفي المقابل، أوضحت أن المغرب يركز على بناء القدرات الوطنية، وتعزيز سيادة البيانات، وضمان تحقيق نتائج ملموسة للمواطنين، انطلاقاً من قناعة بأن قيمة الذكاء الاصطناعي تقاس بمدى قدرته على معالجة الإشكالات اليومية بلغات المستخدمين ووفق خصوصياتهم الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت أن هذه الرؤية تتجسد ضمن استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” وخارطة الطريق “AI Made in Morocco”، اللتين تضعان جودة البيانات، وتنمية المهارات الرقمية، وتقوية المؤسسات، وتحديد الاستخدامات ذات الأولوية في صلب المشروع الوطني للتحول الرقمي.
كما كشفت السغروشني أن المملكة تتجه إلى الاستثمار في تطوير النماذج اللغوية الصغيرة والفعالة (SLM)، باعتبارها أكثر كفاءة وأقل تكلفة من النماذج اللغوية الضخمة (LLM)، وهو خيار ينسجم مع متطلبات الاستدامة ويتيح تطوير حلول تقنية أكثر ارتباطاً باحتياجات المستخدمين.
وفي السياق ذاته، أشارت إلى الشراكة التي تجمع المغرب بشركة Mistral AI، والهادفة إلى تطوير أول نموذج لغوي مغربي يعتمد العربية والدارجة والأمازيغية، معتبرة أن هذه المبادرة تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ السيادة اللغوية والرقمية للمملكة.
وأضافت أن مشروع “إدارتي IDARATI x.0” والمنصة الرقمية المستقبلية “إدارتي” يشكلان ركيزة أساسية لتحديث الإدارة العمومية، من خلال تبسيط المساطر الإدارية، وتسريع الخدمات، وتحسين تجربة المواطنين في الولوج إلى الخدمات الرقمية.
وفي جانب البنية التحتية، أوضحت الوزيرة أن المغرب يخطط، في أفق سنة 2030، لإنشاء مركز بيانات أخضر بمدينة الداخلة بقدرة إجمالية تصل إلى 500 ميغاواط، إلى جانب أول منطقة سحابية فائقة السعة في شمال إفريقيا، فضلاً عن تشغيل الحاسوب العملاق “توبقال” الذي يمثل، بحسبها، أكبر قدرة حوسبية متقدمة على مستوى القارة الإفريقية.
وأكدت أن هذه المشاريع لا تستهدف فقط تعزيز البنية الرقمية، بل تهدف أيضاً إلى تمكين المملكة من التحكم في بياناتها وخوارزمياتها وخياراتها التكنولوجية، مع مواصلة الاستثمار في الرأسمال البشري عبر تكوين نحو 100 ألف متخصص في المجالات الرقمية سنوياً بحلول سنة 2030، من خلال توسيع العرض التكويني في المدارس الهندسية وإطلاق برامج للدكتوراه ومبادرات موجهة للشباب.




