الأسهمالاقتصادية

الأسهم العملاقة تجذب المليارات.. هل يقود الزخم المستثمرين الأفراد إلى مخاطر غير محسوبة؟

في الوقت الذي تتدفق فيه مليارات الدولارات نحو أسهم أكبر الشركات المدرجة في وول ستريت، يتزايد الجدل حول ما إذا كان المستثمرون الأفراد يتخذون قراراتهم بناءً على الأسس المالية، أم أنهم ينجرفون وراء شهرة الشركات والزخم الذي تصنعه الأسواق والإعلام.

فمع كل موجة صعود جديدة، تتكرر الظاهرة ذاتها؛ إذ تتجه السيولة إلى عدد محدود من الأسهم العملاقة، بينما تتراجع جاذبية آلاف الشركات الأخرى، حتى تلك التي تتمتع بمؤشرات مالية قوية.

وتبرز قصة المستثمر “هاري جيمس” كواحدة من الأمثلة التي تعكس هذا الواقع. فقد انتظر لفترة طويلة إدراج أسهم شركة “سبيس إكس” في بورصة نيويورك، مدفوعًا بالتوقعات المتفائلة التي رافقت الطرح العام الأول للشركة وسجلها الحافل بالابتكار. وبعد أن سجل السهم مكاسب قوية خلال أولى جلسات تداوله، قرر شراءه عند مستوى 220 دولارًا للسهم، اعتقادًا بأن موجة الصعود ستستمر.

لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا، إذ تعرض السهم لعمليات تصحيح حادة، لينهي تعاملات أمس الإثنين عند 160.42 دولار، متسببًا في خسائر كبيرة للمستثمرين الذين دخلوا السوق بعد موجة الارتفاع الأولى.

The big stocks that doubled investors' money in 2025 | AJ Bell

ولا تمثل هذه القصة حالة فردية، بل تعكس نمطًا متكررًا في أسواق المال، حيث يفضل كثير من المستثمرين الأفراد توجيه أموالهم نحو عدد محدود من الشركات العملاقة، اعتمادًا على قوة علاماتها التجارية وشهرتها، أكثر من اعتمادهم على التقييمات المالية أو المؤشرات الأساسية.

ومع استمرار ارتفاع تقييمات هذه الشركات إلى مستويات تاريخية، أصبحت محافظ الكثير من المستثمرين أكثر تركيزًا في أسهم قليلة، ما يزيد من حساسية استثماراتهم لأي تراجع قد يصيب تلك الشركات.

وتشير بيانات صادرة عن مؤسسة “فاندا ريسيرش” إلى أن المستثمرين الأفراد ضخوا خلال عام 2024 عشرات المليارات من الدولارات في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، بينما استحوذ سهم “إنفيديا” وحده على استثمارات قاربت 30 مليار دولار، في الوقت الذي شهدت فيه غالبية الأسهم الأمريكية الأخرى تراجعًا ملحوظًا في تدفقات السيولة.

ولا يقتصر هذا التوجه على قرارات المستثمرين فحسب، بل تدعمه أيضًا آليات الاستثمار السلبي، التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الأسواق العالمية. فالصناديق التي تتبع المؤشرات لا تختار الشركات بناءً على جودة أدائها، وإنما تشتري الأسهم وفقًا لأوزانها داخل المؤشر، وهو ما يؤدي تلقائيًا إلى توجيه الجزء الأكبر من الأموال نحو الشركات الأعلى قيمة سوقية.

وتوضح بيانات معهد شركات الاستثمار أن الأصول المدارة عبر صناديق المؤشرات والصناديق المتداولة في البورصة الأمريكية ارتفعت من نحو 500 مليار دولار مطلع الألفية إلى أكثر من 15 تريليون دولار حاليًا، في مؤشر واضح على التوسع الكبير للاستثمار السلبي.

وللمرة الأولى، تجاوزت حصة هذه الصناديق 54% من إجمالي سوق صناديق الأسهم الأمريكية، متفوقة على الصناديق النشطة التي تعتمد على اختيار الأسهم عبر التحليل المالي.

ويترتب على ذلك أن أي ارتفاع في القيمة السوقية لشركات مثل “أبل” و”مايكروسوفت” و”إنفيديا” يمنحها وزنًا أكبر داخل مؤشر “إس آند بي 500″، ما يجعلها تستحوذ تلقائيًا على نسبة أكبر من أي تدفقات مالية جديدة تدخل الصناديق المرتبطة بالمؤشر.

Bitcoin Holders To Remain Cautious As Correlation With Stocks Continues |  Bitcoinist.com

كما تشير تقديرات “بلومبرغ إنتليجنس” إلى أن أكثر من 300 مليار دولار من كل تريليون دولار تتدفق إلى الصناديق التي تتبع مؤشر “إس آند بي 500” تذهب مباشرة إلى أكبر عشر شركات فقط، وهو ما يعزز ظاهرة تركّز السيولة في عدد محدود من الأسهم.

وفي قلب هذا المشهد تبرز مجموعة “السبعة الكبار”، التي تضم “أبل” و”مايكروسوفت” و”إنفيديا” و”أمازون” و”ألفابت” و”ميتا” و”تسلا”، والتي أصبحت صاحبة التأثير الأكبر في أداء سوق الأسهم الأمريكية.

وتظهر تحليلات مؤسسات مالية أن هذه الشركات كانت وراء نحو 60% من مكاسب مؤشر “إس آند بي 500” خلال عام 2023، قبل أن تستحوذ شركات التكنولوجيا الكبرى في عام 2025 على أكثر من نصف مكاسب المؤشر، مدفوعة بالإنفاق الضخم على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ورغم الشعبية الكبيرة لهذه الأسهم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها الأفضل من حيث العوائد النقدية للمستثمرين، إذ تميل شركات التكنولوجيا العملاقة إلى إعادة استثمار الجزء الأكبر من أرباحها في التوسع والابتكار، ما ينعكس على انخفاض توزيعات الأرباح.

فعلى سبيل المثال، يبلغ عائد التوزيعات في سهم “إنفيديا” نحو 0.14% فقط، بينما يصل في “أبل” إلى نحو 0.34%.

في المقابل، استطاعت شركات أقل شهرة أن تقدم أداءً ماليًا قويًا وعوائد أعلى للمساهمين. فقد واصلت شركة الأدوية “أبفي” تحقيق نمو في تدفقاتها النقدية الحرة، مع الحفاظ على توزيعات أرباح تجاوز عائدها 3.4%.

كما برزت شركة الاتصالات “فيريزون” كنموذج لشركة تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة بفضل نموذج أعمالها القائم على الاشتراكات، الأمر الذي مكنها من تحسين ميزانيتها وخفض ديونها، إلى جانب تقديم عائد توزيعات تجاوز 6.3% خلال عام 2025.

ويرى مختصون أن هذه الفجوة تعكس اختلافًا جوهريًا بين الأسهم التي تعتمد على الزخم والتوقعات المستقبلية، وتلك التي تستند إلى أساسيات مالية قوية وتدفقات نقدية مستقرة.

من ناحية أخرى، يفسر علم التمويل السلوكي جانبًا مهمًا من هذه الظاهرة عبر ما يعرف بـ”انحياز الألفة”، حيث يميل المستثمرون إلى شراء أسهم الشركات التي يعرفون منتجاتها أو يتابعون أخبارها باستمرار، حتى وإن كانت هناك بدائل أفضل من الناحية الاستثمارية.

وأظهرت دراسة للباحثين براد باربر وتيرانس أودين أن المستثمرين الأفراد ينجذبون بصورة أكبر للأسهم التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة أو تحقق ارتفاعات لافتة، مقارنة بالشركات الأقل شهرة، بغض النظر عن تقييماتها المالية.

كما تلعب وسائل الإعلام دورًا في تعزيز هذا السلوك، إذ تستحوذ نتائج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى على النصيب الأكبر من التغطيات والتحليلات، بينما تمر نتائج شركات أخرى قوية دون اهتمام مماثل.

وفي النهاية، يرى محللون أن الاستثمار الناجح لا يعتمد على شهرة الشركة أو حجمها السوقي فقط، بل يتطلب تقييمًا دقيقًا لأساسياتها المالية وآفاق نموها. فبريق الأسماء الكبرى قد يجذب السيولة سريعًا، لكنه لا يوفر دائمًا الحماية من التقلبات أو يضمن استمرار المكاسب على المدى الطويل.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى