اضطرابات سوق النفط تعيد رسم خريطة الإمدادات العالمية

تدخل أسواق النفط العالمية مرحلة جديدة من الضغوط، مع تزامن ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة مع قفزة غير مسبوقة في تكاليف نقل الخام وتزايد المخاطر الأمنية التي تواجه حركة الناقلات، في وقت بدأت فيه شركات الطاقة الكبرى بإعادة ترتيب عمليات الشراء والتكرير والاستيراد للاستفادة من الفوارق السعرية التي خلقتها اضطرابات الإمدادات.
وتتوزع الضغوط بين سوق المنتجات المكررة وسوق الشحن وتجارة الخام، إذ تدرس واشنطن الحد من صادرات الديزل بعد تجاوز الأسعار مستويات قياسية، بينما ارتفعت تكلفة تشغيل الناقلات العملاقة على بعض المسارات الرئيسية إلى مستويات تفوق بكثير ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
وفي المقابل، تمكنت شركات مثل «أدنوك» من استغلال الخصومات الكبيرة على بعض الخامات لتأمين إمدادات منخفضة التكلفة.
وتكشف هذه التطورات عن تحول متزايد في اقتصاديات تجارة النفط، حيث لم يعد سعر الخام العامل الوحيد المحدد لجدوى الشحنات، بل أصبحت تكاليف النقل والتأمين ومخاطر الممرات البحرية وقدرة الشركات على الوصول إلى مصادر بديلة عناصر حاسمة في تحديد هوامش الأرباح.
تدرس الإدارة الأمريكية فرض قيود على صادرات بعض المنتجات النفطية، وفي مقدمتها الديزل، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في الأسعار داخل السوق المحلية، بحسب ما أوردته «وول ستريت جورنال».
وتأتي هذه الخطوة بعدما تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة حاجز 6 دولارات للغالون للمرة الأولى، ووصل إلى نحو 6.40 دولار، بالتزامن مع اقتراب موسم الحصاد الزراعي وفترة التدفئة، وهما فترتان يرتفع خلالهما الطلب على الوقود.
وتتزامن أزمة الأسعار مع اضطرابات واسعة في أسواق التكرير العالمية بفعل الحرب الأمريكية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب قرار روسيا حظر تصدير بعض المنتجات النفطية، وهو ما دفع أوروبا وآسيا إلى زيادة اعتمادها على الإمدادات الأمريكية من الديزل.
وتقوم الفكرة وراء تقييد الصادرات على الاحتفاظ بكميات أكبر من الديزل داخل السوق الأمريكية، بما قد يؤدي إلى زيادة المعروض المحلي وتخفيف الضغوط السعرية.
وقد تأتي الإجراءات في صورة خفض محدد للكميات المسموح بتصديرها، أو ربط حجم الصادرات بمستويات المخزونات المحلية، بحيث تتراجع الشحنات الخارجية عندما تنخفض المخزونات إلى مستويات معينة.
كما يمكن أن تكون القيود مؤقتة، بهدف تجنب حدوث صدمة أكبر في السوق المحلية أو العالمية.
لكن طبيعة صناعة التكرير الأمريكية تجعل تنفيذ مثل هذه الإجراءات أكثر تعقيداً، إذ تمثل الأسواق الخارجية جزءاً مهماً من اقتصاديات تشغيل المصافي.
وتنتج المصافي الأمريكية أكثر من 5.5 مليون برميل يومياً من الديزل والديزل المتجدد، بينما يجري تصدير نحو 1.7 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب ثلث الإنتاج. وبالتالي، فإن تقليص قدرة المصافي على بيع هذه الكميات في الخارج بأسعار مجزية قد يقلل من الحافز الاقتصادي للحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة.
وبذلك، قد يؤدي إجراء يستهدف زيادة المعروض المحلي إلى نتيجة عكسية إذا دفع المصافي إلى خفض معدلات الإنتاج، الأمر الذي قد يقلص في الوقت نفسه إنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات.
وتظهر أهمية السوق الخارجية أيضاً في وجهات الصادرات الأمريكية، إذ استحوذت أمريكا اللاتينية على 37% من صادرات الديزل الأمريكي خلال 2025، مقابل 22% لأوروبا.
غير أن الصادرات المتجهة إلى أوروبا تضاعفت خلال 2026 لتصل إلى نحو 396 ألف برميل يومياً، في ظل ارتفاع الطلب وتراجع الإمدادات المتاحة.
وتتركز نسبة كبيرة من صادرات الديزل في مصافي ساحل خليج المكسيك، ومن بينها «فاليرو» و«موتيفا»، المشروع المشترك بين «شل» و«أرامكو السعودية»، و«ماراثون بتروليوم».
ويرى محللون أن خفض الصادرات يمكن أن يخفف الأسعار الأمريكية على المدى القصير، لكنه في المقابل سيقلص الإمدادات المتاحة أمام الأسواق الأوروبية والآسيوية، ما سيدفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة.
كما أن تراجع الطلب الخارجي قد يؤدي إلى انخفاض معدلات تشغيل بعض المصافي الأمريكية، إذا أصبحت معالجة الخام بكامل طاقتها أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.
وتكمن المفارقة في أن السياسة الرامية إلى خفض سعر الديزل محلياً قد تقلص في الوقت نفسه الحوافز التي تدفع المصافي إلى الإنتاج، وهو ما يمكن أن يعيد الضغط على أسعار المنتجات النفطية داخل الولايات المتحدة.
وقال آندي ليبوب، رئيس شركة «ليبوب أويل أسوشيتس»، إن تقليص الصادرات قد ينتهي إلى نقص في المنتجات وارتفاع أسعار الوقود في محطات البيع بالتجزئة.
وتواجه الإدارة الأمريكية بذلك معادلة معقدة بين حماية المستهلك المحلي من ارتفاع الأسعار والحفاظ على مستويات إنتاج المصافي، خصوصاً مع اقتراب موسم الحصاد والتدفئة واستمرار الاضطرابات التي تعصف بسوق المنتجات المكررة عالمياً.
في سوق النقل البحري، شهدت أجور ناقلات النفط العملاقة ارتفاعاً حاداً على عدد من المسارات الرئيسية في الخليج والشرق الأوسط وغرب أفريقيا وخليج المكسيك، نتيجة ارتفاع مخاطر العبور وتراجع عدد السفن المتاحة لنقل الشحنات عبر الممرات الحيوية.
ووصلت تكلفة الناقلة العملاقة من فئة «في إل سي سي» على المسار القياسي بين الخليج العربي والصين إلى أكثر من مليون دولار يومياً للمرة الأولى.
وبحسب بيانات «بورصة البلطيق» للشحن البحري، بلغت التكلفة 1.035 مليون دولار يومياً في 14 سبتمبر، مقارنة بنحو 45 ألف دولار فقط قبل الحرب، وهو ما يمثل زيادة تتجاوز 23 مرة.
ولم يعد المسار التقليدي يعكس بصورة كاملة حركة التجارة الفعلية خلال الحرب، بعدما تغيرت طرق نقل النفط من الخليج، مع مرور الخام عبر مضيق هرمز ثم نقله على متن ناقلات تنتظر خارج المضيق وتتجنب العبور داخله.
وفي المقابل، وصلت تكلفة نقل الخام من خليج عُمان إلى الصين إلى نحو 644 ألف دولار يومياً، رغم أن هذا المسار لا يتطلب المرور عبر مضيق هرمز.
وتزامن ارتفاع أسعار الشحن مع اضطرابات في صادرات الخام السعودية، بعدما أدى إغلاق خط أنابيب شرق غرب إثر هجمات بطائرات مسيرة إلى تعطيل عمليات التحميل في ميناء ينبع.
وتحتاج السعودية إلى إعادة تشغيل الخط خلال أيام لتفادي انخفاض أكبر في صادراتها، وفق مصادر في قطاع النفط.
أما في البحر الأحمر، فقد دفعت المخاطر الأمنية المتزايدة ناقلات «في إل سي سي» و«سويزماكس» إلى تجنب المرور عبر باب المندب، مع تحويل بعض الشحنات السعودية إلى طرق أطول تمر حول رأس الرجاء الصالح.
وأدى هذا التحول إلى زيادة مدة الرحلات ورفع الطلب على الناقلات، وهو ما ساهم بدوره في دفع تكاليف الشحن إلى مستويات أعلى.
ولم تقتصر الزيادة على أجور النقل، إذ ارتفعت أيضاً تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب في البحر الأحمر. وكانت خمسة من أكبر أندية التأمين البحري قد أوقفت في أغسطس بعض تغطيات مخاطر الحرب المتعلقة بعبور باب المندب، قبل استئناف التغطية بمعدلات أعلى عقب ترتيبات إعادة التأمين.
كما ارتفعت تكلفة نقل الخام من خليج المكسيك إلى الأسواق الآسيوية مع زيادة الاعتماد على المسارات البديلة، في وقت تؤدي فيه الرحلات الأطول إلى استهلاك جزء أكبر من طاقة أسطول الناقلات العالمية.
وتعكس هذه التطورات تحولاً في طريقة تسعير تجارة الخام، إذ أصبحت تكلفة النقل مرتبطة ليس فقط بتوازن العرض والطلب على السفن، وإنما أيضاً بالمخاطر الأمنية وطول الرحلات وأسعار التأمين ومدى توافر الناقلات على الطرق الرئيسية.
وبالنسبة إلى المصافي الآسيوية، فإن ارتفاع تكاليف النقل يعني زيادة تكلفة البرميل عند وصوله إلى الموانئ، حتى في حال بقي سعر الخام نفسه مستقراً، وهو ما قد يضغط على هوامش التكرير ويرفع تكلفة المنتجات النفطية.
وفي خضم هذه الاضطرابات، تمكنت شركة «أدنوك» من الاستفادة من التحولات في تجارة النفط، بعدما اشترت كميات كبيرة من الخام العراقي بخصومات وصلت إلى 27 دولاراً للبرميل.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة نقلت عنها «رويترز»، أصبحت «أدنوك» عبر ذراعها التجارية أكبر مشترٍ للخام العراقي خلال أغسطس وسبتمبر.
ووافقت الشركة على شراء 32 مليون برميل خلال أغسطس بخصومات تراوحت بين 24.90 و27 دولاراً للبرميل، إلى جانب 40 مليون برميل في سبتمبر، من بينها 10 ملايين برميل بخصم 18 دولاراً و30 مليون برميل بخصم 25 دولاراً.
غير أن قيود التصدير حالت دون استلام كامل الكميات المتفق عليها، إذ تسلمت الشركة فعلياً 20 مليون برميل من مخصصات أغسطس و14 مليون برميل منذ بداية سبتمبر.
ولم تكن «أدنوك» الشركة الوحيدة التي استفادت من الخصومات، إذ اشترت شركات أخرى كميات من الخام العراقي بأسعار منخفضة، من بينها «بتروتشاينا» و«تشينهوا أويل» و«توتال إنرجيز» و«فيتول» و«ترافيجورا» و«ميركوريا» و«كاثاي بتروليوم».
وساهمت موافقة إيران على السماح لناقلات تحمل النفط العراقي بالمرور عبر مضيق هرمز في دعم حركة الصادرات.
وبلغت صادرات العراق نحو مليوني برميل يومياً في سبتمبر، مقارنة بـ2.354 مليون برميل يومياً في أغسطس و1.374 مليون برميل يومياً في يوليو، وفق بيانات «كبلر».
وتخطط «أدنوك» لاستخدام جزء كبير من الخام الذي اشترته في مصفاة الرويس، بالتوازي مع زيادة بيع خامها في الأسواق العالمية، مستفيدة من امتلاكها أسطولاً من الناقلات وخط أنابيب يصل إلى الفجيرة.
ويعكس هذا التحرك أهمية القدرة على الجمع بين عمليات الشراء والتكرير والنقل والتسويق في بيئة تتسم بتقلبات حادة في الأسعار وتكاليف الشحن.
إلى جانب المخاطر العسكرية واللوجستية، بدأت المخاطر الرقمية تفرض نفسها على حركة ناقلات النفط، بعدما صعدت فرق من خفر السواحل الأمريكي ومكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» إلى ناقلة نفط تجارية متجهة إلى تكساس في 21 أغسطس، عقب رصد مؤشرات على تعرض شبكتها لاختراق من جهة أجنبية.
وحددت تقارير إيرانية الناقلة بأنها «في إل بروسبيريتي»، وهي ناقلة عملاقة يبلغ طولها 333 متراً وتستطيع نقل نحو 2.3 مليون برميل من النفط، وترفع علم ليبيريا.
وقال خفر السواحل الأمريكي إن فرقاً متخصصة قامت بفحص أنظمة تكنولوجيا المعلومات والأنظمة التشغيلية على متن السفينة، وعملت مع الطاقم والمشغل على احتواء التهديد.
ولم تكشف السلطات الأمريكية عن طبيعة الاختراق أو هوية الجهة المسؤولة عنه، كما أكدت عدم تسجيل اضطرابات تشغيلية أو تهديدات للطاقم أو البيئة.
وكانت وكالة «مهر» الإيرانية قد أفادت بأن الناقلة فقدت الاتصالات لنحو 30 ساعة في 7 أغسطس أثناء توجهها من محطة سيدي كرير المصرية إلى الولايات المتحدة، وزعمت أن المهاجمين تمكنوا من الوصول إلى أنظمة المحرك والملاحة والشحن، غير أن السلطات الأمريكية لم تؤكد هذه التفاصيل.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة بسبب اعتماد الناقلات الحديثة على منظومات رقمية مترابطة لإدارة الملاحة والدفع والشحن والعمليات التشغيلية.
وفي حال تمكن مهاجمون من الوصول إلى هذه الأنظمة، فإن المخاطر قد تتجاوز تعطيل الاتصالات أو سرقة البيانات لتشمل التأثير في حركة السفينة أو عمليات تحميل وتفريغ شحنات النفط.
ولم توجه الولايات المتحدة اتهاماً رسمياً إلى جهة محددة بشأن الحادث، بينما ربطت تقارير إيرانية الواقعة بالتوترات والحرب الإلكترونية بين البلدين.
وتضيف هذه التطورات بعداً جديداً إلى المخاطر التي تواجه تجارة النفط البحرية، بعدما كانت التحديات تتركز أساساً في أمن الممرات البحرية والهجمات المادية والتأمين وتوافر السفن.
تكشف التطورات المتزامنة في أسواق الديزل والشحن والخام عن تغير متزايد في خريطة تجارة الطاقة العالمية.
ففي الولايات المتحدة، قد يؤدي تقييد صادرات الديزل إلى دعم السوق المحلية مؤقتاً، لكنه قد يضغط في المقابل على اقتصاديات تشغيل المصافي ويقلص الإمدادات المتاحة للأسواق الخارجية.
وفي قطاع النقل البحري، أدت المخاطر الأمنية وتحويل مسارات الشحن إلى ارتفاعات ضخمة في أجور الناقلات وتكاليف التأمين، وهو ما يرفع تكلفة وصول الخام إلى المصافي حتى دون تغير كبير في أسعار النفط نفسها.
وفي المقابل، تفتح اضطرابات السوق فرصاً أمام الشركات القادرة على تأمين خامات منخفضة التكلفة والاستفادة من أساطيل النقل والبنية التحتية الخاصة بها، كما يظهر في تحركات «أدنوك» في السوق العراقية.
ومع دخول المخاطر الإلكترونية إلى المشهد، أصبحت شركات الطاقة مطالبة بإدارة مجموعة أكثر تعقيداً من التحديات، تمتد من تأمين الخام والوقود إلى اختيار مسارات النقل وحماية السفن والأنظمة الرقمية.
وبذلك، لم تعد هوامش شركات النفط والتكرير تعتمد على فارق سعر الخام والمنتجات وحده، بل أصبحت كفاءة الشراء والنقل والتأمين وإدارة المخاطر عاملاً متزايد الأهمية في تحديد الرابحين والخاسرين داخل سوق الطاقة العالمية.




