الاقتصادية

الكفاءة وحدها لا تكفي.. لماذا تتعثر بعض النساء عند الانتقال إلى مواقع القيادة ؟

قد تقود سنوات من العمل الجاد والخبرة المتراكمة إلى تحقيق إنجازات مهنية لافتة، لكنها لا تضمن بالضرورة الوصول إلى المواقع التي تُصنع فيها القرارات. فكلما تقدمت المسيرة الوظيفية، تتغير قواعد النجاح، وتصبح القدرة على إنجاز المهام بكفاءة مجرد جزء من معادلة أوسع تتطلب الحضور والتأثير وبناء العلاقات وفهم آليات اتخاذ القرار.

وتظهر هذه الفجوة بصورة واضحة لدى بعض النساء اللواتي نجحن في بناء مسارات مهنية قوية، قبل أن يجدن أنفسهن أمام تحدٍ مختلف عند الاقتراب من المناصب الإدارية العليا.

فقد تتوافر الخبرة، وتثبت الكفاءة، ويحظى الأداء بتقدير الزملاء والمسؤولين، لكن ذلك لا يؤدي تلقائياً إلى امتلاك النفوذ اللازم للتأثير في القرارات أو توجيه النقاشات أو دفع المبادرات إلى الأمام.

وقد تكون المرأة حاضرة في الاجتماعات واللجان التي تناقش القضايا المهمة داخل المؤسسة، إلا أن مجرد المشاركة في هذه الدوائر لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التأثير في نتائجها. كما أن نجاحها في تنفيذ المهام لا يضمن امتلاكها شبكة العلاقات المهنية التي تساعدها على حشد الدعم لأفكارها أو توسيع نطاق مسؤولياتها.

وهنا تبرز حقيقة أساسية في التطور المهني: المهارات التي تصنع الموظف المتميز ليست دائماً هي نفسها التي تصنع القائد المؤثر.

يتغير الدور المهني بشكل كبير مع الانتقال إلى المستويات الإدارية الأعلى. ففي بداية المسار الوظيفي، يكون التركيز غالباً على المعرفة الفنية، وجودة التنفيذ، والقدرة على حل المشكلات وتحقيق النتائج.

لكن مع ارتفاع المسؤوليات، تصبح القيمة التي يقدمها الموظف مرتبطة بدرجة أكبر بقدرته على التأثير في الآخرين، وتوجيه الفرق، وبناء العلاقات، وفهم الطريقة التي تتحرك بها القرارات داخل المؤسسة.

ومن هنا يبدأ التحول من موقع «الخبيرة» إلى موقع «القائدة».

A Seat At The Table: More Women in Leadership Positions - Washington Women  in Public Relations

ولا يتعلق هذا الانتقال بإضافة مجموعة من المهارات العملية فحسب، بل يتطلب أيضاً تغييراً في الطريقة التي تنظر بها المرأة إلى نفسها ودورها ومكانتها داخل المؤسسة.

فالجانب الداخلي يتصل بالثقة بالقدرات، والوعي بنقاط القوة، وفهم القيم الشخصية، والتعامل مع النفوذ والمكانة، إضافة إلى القدرة على تصور الذات في موقع قيادي أكبر.

أما الجانب الخارجي، فيرتبط بكيفية إيصال قيمة العمل، وبناء العلاقات المهنية، وتعزيز الحضور، وفهم الأشخاص والدوائر التي تؤثر في عملية اتخاذ القرار.

لكن امتلاك هذه الأدوات لا يعني دائماً استخدامها بسهولة. فإذا كانت المرأة تعتبر الحديث عن إنجازاتها نوعاً من الترويج للذات، أو تنظر إلى بناء العلاقات باعتباره وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، فقد تجد صعوبة في ممارسة هذه السلوكيات حتى عندما تكون ضرورية لتطورها المهني.

غالباً ما تتكرر مجموعة من النصائح عند الحديث عن تطوير المسار القيادي، مثل ضرورة المشاركة بشكل أكبر في الاجتماعات، وتوسيع شبكة العلاقات، والتحدث بوضوح عن الإنجازات والنتائج.

وتحمل هذه النصائح قيمة عملية، لكنها قد تفقد جزءاً من فعاليتها عندما تتعارض مع قناعات الشخص أو الصورة التي يحملها عن نفسه.

فإذا ارتبط الظهور المهني في ذهن الموظفة بالرغبة في جذب الانتباه، فقد تتردد في إبراز مساهماتها. وإذا بدا بناء العلاقات مجرد وسيلة للوصول إلى فرص أو مكاسب، فقد لا تتمكن من تحويله إلى ممارسة طبيعية ومستدامة.

كما أن الحديث عن الإنجازات قد يصبح مصدراً لعدم الارتياح إذا كان مرتبطاً بالخوف من الظهور بمظهر المتفاخر.

وبالتالي، لا ترتبط المشكلة دائماً بنقص الأدوات أو غياب الاستراتيجيات، وإنما قد تكون مرتبطة بقناعات داخلية تجعل تطبيق هذه الأدوات أمراً صعباً.

ولهذا، فإن برامج تطوير القيادات النسائية قد تحتاج إلى ما هو أبعد من التدريب على التكتيكات العملية. فالمهارات الخارجية تصبح أكثر فاعلية عندما تستند إلى تصور واضح للذات باعتبارها قادرة على ممارسة القيادة والتأثير.

لا تواجه جميع النساء التحديات نفسها، كما تختلف المؤسسات والثقافات المهنية من بيئة إلى أخرى. إلا أن الأبحاث المتعلقة بالقيادة تشير إلى استمرار حضور صورة نمطية للقائد ترتبط في كثير من الأحيان بصفات تُصنف تقليدياً باعتبارها ذكورية.

ويؤثر ذلك في الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه، وفي الطريقة التي ينظر بها إليه المحيط المهني.

فعندما لا تتطابق الصورة التي يحملها الشخص عن نفسه مع الصورة السائدة للقائد، قد يصبح من الصعب عليه تصور نفسه في هذا الدور. وفي المقابل، قد يحتاج المحيطون به إلى رؤية سلوكيات قيادية متكررة قبل أن يترسخ لديهم الاعتقاد بأنه يمثل بالفعل شخصية قيادية.

فالهوية القيادية لا تُبنى من الداخل فقط، وإنما تتشكل أيضاً من خلال التفاعل مع الآخرين.

ويثبت الشخص قدرته على القيادة من خلال المبادرات والقرارات والسلوكيات التي يظهرها، بينما يساهم الآخرون في تثبيت هذه الهوية من خلال الاعتراف بقدرته ومنحه مساحة أكبر للتأثير.

وقد تصبح هذه الحلقة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى بعض النساء، خصوصاً عندما تكون ردود الفعل تجاه السلوك القيادي متباينة.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في ما يعرف بـ«أثر رد الفعل العكسي»، حيث يمكن أن يرتبط إبراز المرأة لإنجازاتها بزيادة تقدير كفاءتها، لكنه قد يؤدي في بعض السياقات أيضاً إلى تقييمات سلبية مرتبطة بطريقة تقديمها لنفسها.

ومن ثم، فإن تجنب الظهور أو التردد في الحديث عن الإنجازات لا يمكن تفسيره دائماً باعتباره ضعفاً في الثقة بالنفس، فقد يرتبط أيضاً بتجارب مهنية فعلية وبكيفية استقبال هذا النوع من السلوك.

لكن استمرار هذا التردد من دون مراجعة قد يتحول مع الوقت إلى عائق أمام التقدم إلى مواقع أكبر.

لا يتعلق بناء الهوية القيادية بمجرد ترديد عبارات تحفيزية أو محاولة إقناع النفس بالقدرة على النجاح، بل هو عملية مستمرة تهدف إلى تطوير تصور أكثر وضوحاً عن الدور القيادي والاستعداد لممارسته فعلياً.

1. التعامل مع الشك بدلاً من انتظار اختفائه

قد تظهر الأسئلة الداخلية في مراحل مختلفة من المسار المهني: هل أمتلك الخبرة الكافية؟ هل أنا مستعدة لتحمل مسؤولية أكبر؟ وهل أستطيع قيادة مشروع بهذا الحجم؟

ولا يشترط الانتقال إلى القيادة التخلص من هذه الشكوك بالكامل. الأهم هو عدم السماح لها بأن تتحول إلى سبب دائم لتجنب الفرص.

فالخبرة القيادية نفسها تُكتسب تدريجياً من خلال تحمل المسؤوليات، وخوض التجارب الجديدة، والتعلم من النتائج.

2. امتلاك الإنجازات والتحدث عنها بوضوح

قد يكون من الصعب على بعض النساء الحديث عن إنجازاتهن بصورة مباشرة، خصوصاً عندما يكون النجاح نتيجة جهد جماعي.

لكن الاعتراف بالمساهمة الشخصية لا يعني تجاهل دور الفريق أو الاستحواذ على الفضل. بل يتعلق الأمر بتحديد الدور الذي قامت به الموظفة بدقة، وتوضيح النتائج التي ساهمت في تحقيقها، واستخدام لغة واقعية بعيدة عن المبالغة.

3. تحويل القيادة إلى امتداد للقيم المهنية

قد تبدو بعض السلوكيات القيادية غير مريحة عندما تُفهم باعتبارها أدوات للترويج الشخصي.

لكن يمكن النظر إليها من زاوية مختلفة. فإبراز نجاح الفريق يمكن أن يكون وسيلة لضمان حصول أفراده على الاعتراف، وبناء العلاقات قد يكون وسيلة للوصول إلى الخبرات والموارد الضرورية لإنجاح المشاريع.

وبهذه الطريقة، تصبح ممارسات القيادة امتداداً للقيم المهنية، وليست مجرد وسائل لتحقيق مكاسب شخصية.

4. بناء المكانة والحضور داخل المؤسسة

لا يرتبط النفوذ بالمنصب الرسمي وحده، وإنما يتأثر أيضاً بدرجة الثقة التي يمنحها الآخرون للشخص وقدرته على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية.

ويمكن أن يساهم الجمع بين الكفاءة المهنية، والقدرة على التواصل، وبناء العلاقات، واتخاذ القرارات بصورة واضحة، في ترسيخ حضور قيادي أكثر قوة.

كما أن وضع الحدود المهنية المناسبة والعمل باستقلالية يمكن أن يساعدا على توضيح مستوى المسؤولية الذي يستطيع الشخص تحمله.

5. إعادة تعريف الهوية المهنية

يكمن أحد أهم التحولات في الانتقال من تعريف الذات باعتبارها «خبيرة فنية تقود أحياناً» إلى «قائدة تمتلك خبرة متخصصة».

ولا يعني ذلك التخلي عن الخبرة أو التقليل من أهميتها، بل إعادة وضعها داخل الصورة المهنية الأشمل.

فالخبرة الفنية يمكن أن تكون قاعدة قوية للقيادة، لكنها لا تحل محل مهارات التأثير وصناعة القرار وبناء العلاقات.

عندما تتغير النظرة الداخلية إلى القيادة، يتغير معها معنى العديد من الممارسات المهنية.

فشبكة العلاقات، على سبيل المثال، لا يجب أن تكون مجرد قائمة من المعارف، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة لتبادل الخبرات وفهم وجهات النظر المختلفة والوصول إلى المعلومات والفرص.

كما أن الظهور المهني لا يعني بالضرورة البحث عن الأضواء، بل يمكن أن يكون وسيلة لإيصال إنجازات الفريق إلى الإدارة والأشخاص القادرين على توفير الدعم اللازم.

وينطبق الأمر ذاته على فهم آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة. فمعرفة الجهات المؤثرة وطريقة انتقال الأفكار من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ تساعد على دفع المشاريع إلى الأمام وفهم البيئة التي تعمل فيها المؤسسة.

الوصول إلى منصب إداري لا يعني بالضرورة امتلاك تأثير قيادي، تماماً كما أن غياب المسمى القيادي لا يعني غياب القدرة على التأثير.

فالقيادة ترتبط بدرجة كبيرة بالقدرة على تحريك الأفكار، وتوجيه الفرق، وبناء الدعم، والتواصل مع أصحاب القرار، وتحويل الخبرة الفردية إلى قيمة يستفيد منها الآخرون.

كما أن بناء الهوية القيادية لا ينعكس على صاحبة المسار المهني وحدها، بل يمكن أن يمتد إلى الفريق والمؤسسة. فالقائد الذي يبرز إنجازات فريقه ويدافع عن مصالح أفراده يساعد على منحهم حضوراً أكبر، بينما تستفيد المؤسسة من أشخاص قادرين على تحويل الأفكار إلى مبادرات وتحريكها داخل الهيكل التنظيمي.

في النهاية، قد تكون الكفاءة هي التي تفتح الباب أمام التقدم المهني، وقد تكون الخبرة هي التي تمنح صاحبها المصداقية، لكن الانتقال إلى مواقع التأثير يتطلب مجموعة أخرى من القدرات.

فالقيادة ليست مجرد خطوة إضافية على السلم الوظيفي، وإنما تحول في طريقة ممارسة الدور المهني. وتبدأ هذه الرحلة عندما تصبح القدرة على التأثير جزءاً من الهوية المهنية، إلى جانب الخبرة والكفاءة، وليس مجرد مهارة تُستخدم من حين إلى آخر.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى