أسعار الديزل تشعل مخاوف التضخم العالمي مع تراجع المخزونات وضغوط الإمدادات

تتجه أسواق الطاقة العالمية إلى مرحلة جديدة من الضغوط على تكاليف الإنتاج، بعدما سجلت أسعار الديزل قفزة حادة بالتزامن مع انخفاض المخزونات وتراجع هامش الطاقة الفائضة لدى المصافي، في وقت لا تزال فيه اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا تضغط على سوق المنتجات النفطية.
ولا تقتصر أهمية التطورات الحالية على قطاع الطاقة، إذ يمثل الديزل أحد المدخلات الأساسية في قطاعات واسعة من الاقتصاد، بدءاً من النقل والشحن والزراعة، مروراً بالبناء والصناعة، وصولاً إلى التدفئة. وبالتالي، فإن استمرار ارتفاع أسعاره قد ينعكس تدريجياً على تكاليف نقل السلع وإنتاج الغذاء وتشغيل المصانع، قبل أن يصل أثره إلى أسعار المستهلكين.
سجل متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة خلال سبتمبر مستوى تجاوز 6 دولارات للغالون للمرة الأولى، مقارنة بنحو 3.7 دولارات قبل عام، في مؤشر على حجم التشدد الذي تشهده سوق الوقود المكرر.
وتزامنت هذه القفزة مع تراجع مخزونات نواتج التقطير الأمريكية، التي تضم الديزل وزيت التدفئة، إلى مستويات موسمية شديدة الانخفاض، ما يقلل قدرة السوق على التعامل مع أي اضطراب جديد في الإمدادات.
وتكتسب هذه الوضعية أهمية إضافية مع اقتراب موسم التدفئة في نصف الكرة الشمالي، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الديزل المرتبط بالأنشطة الزراعية ونقل المحاصيل والسلع.
ولا يأتي الضغط من جانب الطلب وحده، إذ تواجه سوق المنتجات النفطية العالمية تحديات مرتبطة بالإمدادات، في ظل اضطراب تدفقات الوقود من الشرق الأوسط، إلى جانب انخفاض بعض الإمدادات الروسية وتأثر منشآت التكرير والبنية التحتية للطاقة.
وأدى تزامن هذه العوامل إلى زيادة المنافسة على الكميات المتاحة من الديزل، خصوصاً مع دخول الأسواق موسماً ترتفع فيه الحاجة إلى الوقود.
ويعني انخفاض المخزونات أن أي توقف إضافي في المصافي أو اضطراب مفاجئ في التجارة العالمية قد تكون له انعكاسات أكبر على الأسعار مقارنة بالفترات التي تتمتع فيها الأسواق بمستويات مريحة من المخزون.
برزت حدة الأزمة بصورة أوضح في هوامش تكرير الديزل، إذ تجاوز ما يعرف بفارق الديزل عن سعر الخام 106 دولارات للبرميل في مطلع سبتمبر، ليسجل مستوى قياسياً بعدما تخطى حاجز 100 دولار للمرة الأولى.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها عند مقارنتها بالمستويات التاريخية المعتادة، إذ يتحرك هذا الفارق في الظروف الطبيعية بالقرب من 20 دولاراً للبرميل.
ويعكس اتساع الفارق بين أسعار الديزل والخام مدى الضيق الذي تعانيه سوق الوقود المكرر، حيث أصبحت تكلفة الحصول على المنتجات المكررة أعلى بكثير من الزيادة التي يمكن تفسيرها بمجرد ارتفاع سعر النفط الخام.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه الأسواق إلى مزيد من الديزل، تبدو قدرة المصافي الأمريكية على زيادة الإنتاج محدودة، بعدما بلغت معدلات التشغيل نحو 98%، وهو أعلى مستوى منذ ما بعد عام 2000.
كما حافظت معدلات تشغيل المصافي على مستوى يتجاوز 95% لمدة 12 أسبوعاً متتالياً، وهي أطول فترة من هذا النوع منذ عامي 1997 و1998.
ويضع ذلك شركات التكرير أمام معادلة صعبة، إذ إن رفع الإنتاج أصبح محدوداً بسبب اقتراب المصافي من طاقتها القصوى، بينما قد يؤدي استمرار التشغيل المرتفع إلى زيادة الحاجة للصيانة.
وأجلت بعض الشركات عمليات صيانة كانت مقررة بهدف الحفاظ على مستويات الإنتاج، غير أن استمرار تشغيل المنشآت بمعدلات مرتفعة يرفع احتمال الحاجة إلى تنفيذ هذه الأعمال لاحقاً، إلى جانب مخاطر التوقفات غير المخطط لها.
وتكمن أهمية أزمة الديزل في سرعة انتقال آثارها إلى الاقتصاد الحقيقي. فارتفاع سعر الوقود يزيد تكاليف تشغيل الشاحنات ووسائل النقل، ويرفع بدوره تكلفة نقل المواد الخام والسلع النهائية.
كما تواجه القطاعات الزراعية ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع تكلفة تشغيل المعدات والآليات المستخدمة في الزراعة والحصاد، فيما يتأثر قطاع البناء والخدمات اللوجستية بالطريقة نفسها.
ومع انتقال هذه الزيادة عبر سلاسل الإمداد، يمكن أن تتحول تكلفة الوقود المرتفعة إلى عامل إضافي في تحديد أسعار المواد الغذائية والمنتجات الصناعية وخدمات النقل والتوزيع.
ولا تقتصر مؤشرات ارتفاع تكاليف الإنتاج على سوق الوقود، إذ تظهر سوق الكيماويات العالمية بدورها موجة من الارتفاعات.
ووفق مؤشر أسعار الكيماويات العالمي IPEX التابع لـICIS، ارتفعت الأسعار العالمية بنحو 41% منذ بداية العام، فيما بلغت الزيادة في ساحل خليج المكسيك الأمريكي نحو 44%، مقابل 33% في شمال غرب أوروبا و26% في شمال شرق آسيا.
وتحظى هذه التطورات بأهمية خاصة بالنظر إلى موقع الصناعات الكيماوية في سلاسل الإنتاج العالمية، إذ تدخل منتجاتها في نحو 96% من السلع المصنعة عالمياً، ما يجعل ارتفاع تكاليفها قابلاً للانتقال إلى عدد كبير من القطاعات في مراحل لاحقة.
وتشير بيانات أوردتها ICIS إلى أن بعض آثار هذه الضغوط بدأت تنعكس بالفعل على مؤشرات الأسعار.
ومنذ نهاية فبراير، ارتفع معدل التضخم بنحو 0.4 نقطة مئوية في اليابان حتى يوليو، وبنحو نقطة مئوية في الولايات المتحدة، بينما بلغت الزيادة نحو 1.6 نقطة مئوية في منطقة اليورو حتى أغسطس.
كما أظهرت بيانات رسمية في عدد من الدول الأوروبية أن ارتفاع أسعار الطاقة والمنتجات البترولية كان من بين العوامل التي ساهمت في دفع التضخم خلال الأشهر الأخيرة.
وتكشف التطورات في سوقي الديزل والكيماويات عن مسارين متوازيين لارتفاع تكاليف الإنتاج. فمن جهة، يضغط الديزل على قطاعات النقل والزراعة والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تنتشر تكاليفها سريعاً عبر مختلف مراحل الاقتصاد.
ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع أسعار المنتجات الكيماوية إلى زيادة تكلفة المدخلات الصناعية، بما قد ينعكس لاحقاً على مجموعة واسعة من المنتجات المصنعة.
ومع استمرار انخفاض مخزونات الديزل، واقتراب المصافي من طاقاتها القصوى، إلى جانب اضطرابات الإمدادات العالمية وارتفاع الطلب الموسمي، قد تبقى أسواق الوقود تحت ضغط خلال الفترة المقبلة.
وإذا تزامن ذلك مع استمرار ارتفاع أسعار الكيماويات، فإن الضغوط على تكاليف الإنتاج قد تصبح أوسع نطاقاً، ما يزيد أهمية تطورات الطاقة وسلاسل الإمداد في تحديد مسار التضخم العالمي خلال الأشهر المقبلة.




