اقتصاد المغرب

من 2021 إلى 2026.. هل تغيرت أوضاع المغرب اقتصادياً واجتماعياً؟

على وقع مشاهِد حبست الأنفاس، عادت السواحل الشمالية للمملكة لت تصدر المشهد الإعلامي والإنساني؛ حيث تحولت المياه المتاخمة لمدينة سبتة المحتلة إلى مسرح لمحاولات عبور جماعية حبلى بالمخاطر.

وبمرارة كشفتها مقاطع فيديو متداولة، يواصل مئات الشباب –من بينهم قاصرون في عمر الزهور– المغامرة بأرواحهم في عرض البحر، في مشاهد مؤلمة أثارت موجة غضب وحزن واسعين داخل المغرب وخارجه، ومسترجعةً صوراً قاتمة لأحداث سابقة شهدتها المنطقة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن موجة العبور الحالية اتخذت منحى متسارعاً، بعدما تواصلت المحاولات لعدة أيام متتالية، وسط استنفار أمني مكثف على الجانب المغربي، وتدابير استثنائية اتخذتها سلطات مدينة سبتة لمواجهة تزايد أعداد الوافدين.

كما أفادت وسائل إعلام إسبانية بأن بعض المهاجرين تمكنوا من تجاوز الإجراءات الأمنية في محيط معبر تراخال، ما زاد من الضغوط على مراكز الاستقبال والإيواء داخل المدينة.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة المقارنات مع أحداث ماي 2021، التي شهدت تدفق آلاف المهاجرين نحو سبتة في ظرف وجيز، إلا أن تكرار هذه المشاهد بعد سنوات يطرح تساؤلات حول الأسباب التي ما تزال تدفع أعداداً متزايدة من الشباب إلى المجازفة بأرواحهم بحثاً عن مستقبل أفضل في الضفة الأوروبية.

ويرى عدد من المتابعين أن الظاهرة لا يمكن تفسيرها من منظور أمني فقط، بل ترتبط بمجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه شريحة واسعة من الشباب، من بينها محدودية فرص الشغل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن شعور متنامٍ لدى البعض بانسداد آفاق تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها تواصل تنفيذ برامج استثمارية وأوراشاً تنموية كبرى تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، معتبرة أن نتائج هذه الإصلاحات تحتاج إلى الوقت حتى تنعكس بشكل ملموس على مختلف الفئات الاجتماعية.

غير أن مراقبين يرون أن الأثر المباشر لهذه المشاريع لم يصل بعد إلى شريحة واسعة من الشباب، وهو ما يفسر استمرار الرغبة في الهجرة لدى العديد منهم.

ويثير هذا الوضع نقاشاً متجدداً حول نجاعة السياسات العمومية في الحد من الفوارق الاجتماعية وتعزيز الإدماج الاقتصادي، إذ يؤكد مختصون أن التصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية يتطلب معالجة شاملة لجذورها، من خلال تحسين فرص التشغيل، والرفع من جودة الخدمات الأساسية، وتعزيز الثقة في المستقبل، إلى جانب مواصلة الجهود الأمنية الرامية إلى مكافحة شبكات تهريب المهاجرين.

ولم تعد الظاهرة محصورة فقط في الدوافع الاقتصادية التقليدية، بل دخلت على الخط “الهجرة الرقمية” وعالم شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تُسهم الشائعات والحملات الممنهجة عبر تطبيقات مثل “تيك توك” و”واتساب” في شحن عواطف القاصرين وتأطير محاولات الاقتحام الجماعي، مما يضع منصات التواصل وإعلام الشارع أمام مسؤولية جديدة لتوعية الشباب بحقيقة الأخطار والواقع المعقد في الضفة الأخرى.

إلى جانب ذلك، تسلط الأحداث الأخيرة الضوء على أهمية مبدأ “المسؤولية المشتركة” بين المغرب والشريك الأوروبي؛ إذ يرى خبراء في العلاقات الدولية أن تحميل المملكة وحدها عبء حراسة الحدود الأوروبية أمر غير منصف، ودعوا إلى دعم إقليمي ودولي أقوى يتجاوز الدعم الأمني إلى خلق شراكات اقتصادية حقيقية تتيح توطين الاستثمارات في المناطق النائية والموردة للهجرة.

وتؤكد هذه التطورات متلاحقة الأنفاس أن ملف الهجرة غير النظامية لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المغرب والمنطقة، في ظل تداخل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وهو ما يجعل من اعتماد مقاربة متوازنة تجمع بين التنمية الاجتماعية العادلة، والحماية الأمنية، والتعاون الإقليمي خياراً ضرورياً وأساسياً للحد من نزيف الشباب وحماية أرواحهم من مآسي البحر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى