اقتصاد المغربالأخبار

مراكش-آسفي تراهن على مغاربة العالم ومونديال 2030 لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية

تسعى جهة مراكش-آسفي إلى استثمار الزخم الاقتصادي الذي تشهده المملكة في السنوات الأخيرة لتسريع وتيرة المشاريع وتنويع قاعدة اقتصادها، مع منح مغاربة العالم موقعاً متقدماً في استراتيجية استقطاب رؤوس الأموال والخبرات والامتدادات الدولية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030.

وفي صلب هذه المقاربة، يراهن المركز الجهوي للاستثمار على منظومة «Marrakech Invest MDM» من أجل الانتقال من استقطاب الموارد المالية للجالية إلى تحويلها إلى استثمارات منتجة قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز النسيج الاقتصادي المحلي.

وتكشف أرقام الاستثمار عن تطور لافت في دينامية المشاريع بالجهة. فقد صادقت اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار خلال سنة 2024 على 798 مشروعاً، مقابل 537 مشروعاً في 2023، مسجلة نمواً بنسبة 49 في المائة. وبلغت القيمة الإجمالية للاستثمارات المرتبطة بهذه المشاريع نحو 95.9 مليار درهم، مع توقع إحداث 26,619 منصب شغل.

ورغم تراجع حجم الاستثمارات مقارنة مع 118.4 مليار درهم المسجلة في 2023، فإن ارتفاع عدد المشاريع والوظائف المرتقبة يعكس اتساع قاعدة الاستثمار وتزايد عدد المبادرات الاقتصادية التي تدخل مسار الإنجاز.

واستمرت هذه الدينامية خلال الأشهر الأولى من 2025، إذ تمت المصادقة خلال الربع الأول على 231 مشروعاً، بزيادة سنوية بلغت 18 في المائة.

وارتفعت الاستثمارات المتوقعة إلى 38.5 مليار درهم، بنمو قدره 51 في المائة، بينما تجاوز عدد فرص الشغل المرتقبة 11,100 منصب، بزيادة قوية بلغت 135 في المائة.

وبحسب المعطيات المتاحة، شكل القطاع الصناعي أحد أبرز محركات هذه الدينامية، باستثمارات بلغت حوالي 8.3 مليارات درهم، وبأكثر من 6,000 منصب شغل متوقع. وارتبط جزء مهم من هذه المشاريع بالطاقات المتجددة والصناعة الغذائية وتطوير البنيات التحتية الصناعية.

في المقابل، استحوذ قطاع الخدمات على نحو نصف قيمة الاستثمارات الملتزم بها، فيما تمت المصادقة على 116 مشروعاً في المجال السياحي، بما يعكس استمرار أهمية القطاع بالنسبة إلى اقتصاد الجهة، بالتوازي مع محاولات توسيع قاعدة الأنشطة المنتجة.

وخلال الفترة الممتدة من 24 نونبر 2025 إلى 30 أبريل 2026، تمت المصادقة على 570 مشروعاً جديداً، باستثمارات متوقعة بلغت 50.9 مليار درهم، مع إمكانية إحداث حوالي 24,900 منصب شغل.

وتعكس هذه المؤشرات توجهاً نحو بناء اقتصاد جهوي أكثر تنوعاً، لا يعتمد بشكل مفرط على السياحة، من خلال الدفع بقطاعات الصناعة والصناعات الفلاحية والغذائية والطاقات المتجددة واللوجستيك والخدمات والرقمنة والاقتصاد الأزرق، إلى جانب الصناعات الثقافية والإبداعية.

وفي هذه المعادلة، يحظى مغاربة العالم باهتمام متزايد، بالنظر إلى ما يمثلونه من مصدر مهم للتحويلات، فضلاً عن امتلاكهم خبرات مهنية وشبكات اقتصادية دولية يمكن توظيفها في دعم الاستثمار بالمغرب.

وتشير بيانات مكتب الصرف إلى أن تحويلات مغاربة العالم بلغت 118.979 مليار درهم خلال 2024، قبل أن ترتفع إلى 122.023 مليار درهم في 2025، بزيادة بلغت 2.6 في المائة.

غير أن حجم التحويلات لا يعكس بالضرورة حجم الاستثمارات المنتجة، كما لا تتوفر، وفق المعطيات العمومية المشار إليها، أرقام دقيقة تحدد قيمة الاستثمارات التي ضختها الجالية تحديداً داخل جهة مراكش-آسفي خلال عامي 2024 و2025.

ومن هنا يبرز التحدي الأساسي أمام الجهة، والمتمثل في تحويل جزء من هذه الموارد المالية والخبرات إلى مشاريع اقتصادية مستدامة، خصوصاً في قطاعات الصناعة والصناعات الغذائية والسياحة واللوجستيك والخدمات الرقمية والطاقات المتجددة والأنشطة المبتكرة.

وتحتفظ مدينة مراكش بموقع مركزي داخل هذه الاستراتيجية، بفضل حضورها القوي على الخريطة السياحية الدولية، وتوفرها على بنية فندقية واسعة ومطار ذي حركة دولية، فضلاً عن منظومة متكاملة من الخدمات والفعاليات والأنشطة المرتبطة بالسياحة.

وعلى المستوى الوطني، بلغ حجم الاستثمار السياحي خلال سنة 2025 حوالي 8 مليارات درهم، واستحوذت جهة مراكش-آسفي على نحو 30 في المائة منه، بما يعادل تقريباً 2.4 مليار درهم.

ويعزز هذا التركيز مكانة مراكش باعتبارها إحدى القاطرات الرئيسية للسياحة المغربية، كما يدعم نمو قطاعات مرتبطة بها، من الخدمات والمطاعم والنقل والترفيه إلى الاستثمار العقاري ذي الصلة بالنشاط السياحي.

وتأتي الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030 لتمنح الجهة دفعة إضافية، مع توقع ارتفاع الطلب على مشاريع البنيات التحتية الرياضية والفندقية والنقل والتنقل واللوجستيك والخدمات الحضرية والرقمنة.

ومن المنتظر أن تستفيد مراكش من مجموعة من الأوراش المرتبطة بهذا الاستحقاق، بما فيها تطوير البنيات الرياضية، وفي مقدمتها الملعب الكبير، وهو ما قد يخلق فرصاً استثمارية جديدة تمتد إلى قطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والبناء والتكنولوجيات والخدمات الرقمية.

وبذلك، لا تنظر الجهة إلى مونديال 2030 باعتباره فرصة ظرفية فقط، بل كرافعة يمكن أن تخلق أسواقاً جديدة وتدعم استثمارات ذات مردودية على المدى الطويل، وهو ما قد يوفر لمغاربة العالم مجالات إضافية لتوظيف رؤوس أموالهم وخبراتهم.

ولتقوية هذا المسار، أطلق المركز الجهوي للاستثمار منظومة «Marrakech Invest MDM» بهدف توفير مواكبة أكثر تنظيماً للمستثمرين من مغاربة العالم، من خلال خدمات الإعلام والتوجيه والتكوين وربط العلاقات، إلى جانب المواكبة الفردية للمشاريع.

وتشمل هذه المواكبة ملفات التمويل والعقار والتعمير والتراخيص والضرائب والفرص المتاحة في مختلف القطاعات، فضلاً عن ربط المستثمرين بالمؤسسات المالية والإدارات والفاعلين الاقتصاديين المعنيين.

ويستهدف هذا النهج تقليص العراقيل الإدارية ونقص المعلومات التي قد تعيق أو تؤخر تحويل الأفكار الاستثمارية إلى مشاريع فعلية.

وقد برز هذا التوجه خلال لقاء احتضنته مراكش، الاثنين، بمناسبة اليوم الوطني لمغاربة العالم وفي إطار أسبوع الاستثمار المخصص للجالية، حيث جرى استعراض المؤهلات الاقتصادية للجهة والفرص الاستثمارية المتاحة، إلى جانب آليات الدعم والمواكبة والتسهيل.

وشكل اللقاء، الذي شارك فيه المركز الجهوي للاستثمار مراكش-آسفي وعدد من الشركاء المؤسساتيين، منصة للتعريف بمساطر الاستثمار وآليات التمويل وفرص التعاون، فضلاً عن فتح قنوات مباشرة للتواصل بين المستثمرين ومختلف المتدخلين.

وبهذه المقاربة، تراهن مراكش-آسفي على الانتقال من منطق استقطاب رؤوس الأموال إلى بناء منظومة استثمارية متكاملة، تجعل من مغاربة العالم شريكاً في التنمية الاقتصادية للجهة، وتستفيد في الوقت نفسه من الأوراش الكبرى التي يستعد المغرب لاحتضانها خلال السنوات المقبلة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى