عندما فشل الذكاء الاصطناعي في توقع سوق العقارات.. قصة رهان “زيلو” الخاسر

في سباق الشركات التكنولوجية نحو تحويل البيانات إلى قرارات استثمارية ذكية، اعتقدت شركة “زيلو – Zillow” أنها عثرت على المعادلة التي يمكن أن تعيد تشكيل سوق العقارات الأمريكي.
فقد امتلكت قاعدة بيانات ضخمة حول ملايين المنازل، وخوارزميات متقدمة لتحليل الأسعار، ومنصة رقمية يستخدمها ملايين الباحثين عن العقارات، ما جعلها تبدو في موقع مثالي للتنبؤ بحركة السوق وتحقيق أرباح ضخمة.
لكن التجربة التي خاضتها الشركة كشفت أن امتلاك كميات هائلة من البيانات لا يعني بالضرورة القدرة على التنبؤ بالمستقبل، خصوصاً في أسواق معقدة مثل العقارات، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية مع الأرقام والنماذج الحسابية.
وكانت “زيلو” قد بنت نجاحها على نموذج أعمال رقمي بسيط وفعال، إذ أتاحت للمستخدمين البحث عن المنازل ومتابعة الأسعار والتواصل مع وكلاء العقارات، محققة عائدات من الإعلانات والخدمات دون الحاجة إلى امتلاك العقارات أو تحمل مخاطر السوق.
غير أن طموح الإدارة لم يتوقف عند دور الوسيط الرقمي، حيث سعت إلى استغلال خبرتها التقنية وبياناتها الواسعة للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على شراء المنازل مباشرة من أصحابها وإعادة بيعها بهدف تحقيق أرباح.
في عام 2019، أطلقت “زيلو” خدمة “Zillow Offers”، التي سمحت للشركة بشراء العقارات مباشرة مقابل الدفع النقدي، ثم إجراء عمليات التجديد والصيانة عليها قبل طرحها للبيع مجدداً.
ورأت الشركة أن هذا النموذج يمكن أن يتحول إلى مصدر إيرادات هائل، حيث وضعت خططاً للتوسع في شراء آلاف المنازل شهرياً، مع توقعات بأن يصبح النشاط الجديد واحداً من أكبر محركات النمو لديها.
واعتمدت الخطة على رهان أساسي مفاده أن الذكاء الاصطناعي قادر على منح الشركة ميزة تنافسية لا يمتلكها الوسطاء التقليديون، عبر تحديد قيمة العقار بدقة، ومعرفة الوقت المناسب للشراء، والتنبؤ بالسعر الذي يمكن تحقيقه عند إعادة البيع.
استندت “زيلو” إلى خوارزمية “Zestimate”، التي طورتها لتقدير القيمة السوقية للمنازل اعتماداً على ملايين البيانات المرتبطة بالأسعار، والمبيعات السابقة، وعمليات البحث على منصتها.
وكانت إدارة الشركة تعتقد أن هذه النماذج قادرة على قراءة اتجاهات السوق وتحديد الأسعار المستقبلية بدرجة عالية من الدقة، إلا أن الواقع أثبت أن سوق العقارات لا يتحرك وفق البيانات وحدها.

فمع بداية جائحة كورونا، تعرض السوق الأمريكي لتحولات غير مسبوقة، إذ شهد في البداية حالة من عدم اليقين، قبل أن يدخل مرحلة انتعاش قوية أدت إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، نتيجة تغير أنماط العمل وانتقال العديد من الأسر إلى مناطق جديدة وتبدل أولويات المشترين.
ورغم أن دقة الخوارزمية كانت مرتفعة نسبياً، فإن هامش الخطأ البسيط كان كافياً لإحداث خسائر كبيرة. فعلى سبيل المثال، فإن خطأ بنسبة 1.9% في تقييم منزل بقيمة 500 ألف دولار قد يعني فرقاً يقارب 10 آلاف دولار، وهو مبلغ يتحول إلى خسائر ضخمة عند تكراره عبر آلاف العقارات.
ويرى خبراء أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل الاتجاهات والبيانات التاريخية بكفاءة، لكنه يواجه صعوبة في التعامل مع التحولات المفاجئة والعوامل غير القابلة للقياس بسهولة، مثل تغير مزاج المشترين أو جاذبية منطقة معينة أو تأثير الأحداث الاقتصادية الطارئة.
مع مرور الوقت، بدأت استراتيجية “زيلو” تواجه عقبات متزايدة، بعدما اشترت الشركة منازل بأسعار تفوق قيمتها الفعلية في بعض الحالات، كما واجهت ارتفاع تكاليف الإصلاح ونقص العمالة، ما أدى إلى تراكم مخزون من العقارات التي لم تتمكن من بيعها وفق توقعاتها السابقة.
وفي نوفمبر 2021، أعلنت الشركة إيقاف برنامج “Zillow Offers” بشكل نهائي، بعد تكبد خسائر تجاوزت 500 مليون دولار، إضافة إلى تقليص عدد كبير من الوظائف. كما اضطرت إلى بيع العديد من المنازل بأسعار أقل من تكلفة شرائها، الأمر الذي انعكس مباشرة على ثقة المستثمرين وأدى إلى هبوط سهمها بنحو 25% خلال جلسة واحدة.
وقال الرئيس التنفيذي السابق للشركة ريتش بارتون إن تقلبات سوق الإسكان كانت أكبر بكثير من التوقعات، مشيراً إلى أن الاستمرار في هذا المجال كان سيعرض الشركة لمخاطر مالية وتقلبات كبيرة في النتائج.
وأوضح أن المشكلة لم تكن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في محاولة استخدام النماذج الحسابية للتنبؤ بسوق يتغير بفعل عوامل يصعب توقعها.
لا تعني تجربة “زيلو” أن الذكاء الاصطناعي غير قادر على تحسين القرارات الاستثمارية، بل تقدم درساً حول حدود استخدامه عندما يتعلق الأمر بأسواق شديدة التعقيد.
فالخوارزميات قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات خلال وقت قصير، لكنها لا تزال عاجزة عن فهم بعض الجوانب الإنسانية التي تؤثر في الأسواق، مثل التفضيلات الشخصية، والانطباعات العاطفية، والتغيرات المفاجئة في سلوك المستهلكين.




