تداعيات القانون الفرنسي تصل إلى المغرب وإغلاق أول مركز للنداء وتسريح 50 عاملاً

بدأت تداعيات التشدد الفرنسي في تنظيم التسويق الهاتفي تلقي بظلالها على قطاع مراكز النداء بالمغرب، بعدما سجلت الدار البيضاء إغلاق إحدى الوحدات وتسريح نحو 50 عاملاً، في مؤشر يعيد إلى الواجهة المخاوف بشأن مستقبل عدد من الوظائف المرتبطة بالخدمات الموجهة إلى السوق الفرنسية.
ويأتي ذلك في أعقاب دخول التشريع الفرنسي الجديد حيز التنفيذ، والذي شدد القيود على الاتصالات التجارية غير المرغوب فيها، عبر جعل موافقة المستهلك المسبقة شرطاً أساسياً لإجراء هذا النوع من المكالمات. ومع عودة مختلف الأنشطة الاقتصادية إلى وتيرتها المعتادة بعد فترة العطلة الصيفية، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة مراكز النداء المغربية على التكيف مع القواعد الجديدة.
ولا تزال الصورة العامة بشأن حجم الخسائر المحتملة غير واضحة، إذ سيكون من السابق لأوانه اعتبار حالة الإغلاق المسجلة في الدار البيضاء مؤشراً على اتجاه عام داخل القطاع، غير أن الواقعة تكشف هشاشة بعض الوحدات التي تعتمد بشكل كبير على خدمات التسويق الهاتفي لفائدة العملاء الفرنسيين.
وأمام هذه المستجدات، دعت الجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، الحكومة إلى التحرك بشكل استباقي، معتبرة أن القطاع يواجه مرحلة دقيقة تتداخل فيها عوامل تنظيمية وتكنولوجية قد تعيد تشكيل سوق الشغل خلال السنوات المقبلة.
وأكدت الجامعة، في مذكرة رفعتها إلى الحكومة في فاتح شتنبر، أن الأوفشورينغ يقف أمام تحول كبير بفعل القيود التي تفرضها بعض الأسواق الخارجية، بالتزامن مع تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الخدمات التي كانت تعتمد تقليدياً على العنصر البشري.
وترى النقابة أن التعامل مع هذه التحولات يجب ألا يقتصر على معالجة تداعيات فقدان الوظائف بعد وقوعها، بل ينبغي اعتماد سياسة استباقية تسمح بإعادة تأهيل العاملين وتهيئة القطاع للمرحلة المقبلة.
وفي هذا الإطار، طالبت بفتح حوار ثلاثي يضم الحكومة وممثلي الأجراء وأرباب العمل، بهدف إعادة النظر في العرض المغربي في مجال الأوفشورينغ، ووضع آليات لحماية مناصب الشغل وضمان انتقال مهني أكثر سلاسة.
وتتحدث تقديرات مهنية متداولة داخل القطاع عن إمكانية تأثر نحو 10 آلاف منصب شغل بشكل مباشر أو غير مباشر بالتغيرات الحالية، غير أن هذا الرقم لا يمثل حصيلة رسمية نهائية، بالنظر إلى صعوبة تحديد جميع الوحدات والعاملين المرتبطين بهذا النشاط، خصوصاً لدى المقاولات الصغيرة.
كما أن طبيعة الأوفشورينغ تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، فلم يعد القطاع مقتصراً على الاتصال الهاتفي أو البيع عن بعد، بل توسع ليشمل خدمة العملاء، والمساعدة التقنية، ومعالجة البيانات، وخدمات الدعم الخلفي، فضلاً عن مجموعة من الخدمات الرقمية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ويمنح هذا التنوع بعض الشركات إمكانية إعادة توزيع الموارد البشرية وتحويل العاملين من الأنشطة المتضررة إلى خدمات أخرى، بما يخفف من أثر أي تراجع في التسويق الهاتفي.
غير أن الوضع يختلف بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة التي لا تمتلك بالضرورة الموارد المالية أو التجارية الكافية لتحمل انخفاض الطلب لفترات طويلة، ما يجعل أي تراجع مفاجئ في العقود الخارجية أكثر انعكاساً على الاستقرار الوظيفي للعاملين.
ولا يرتبط مستقبل القطاع بالقانون الفرنسي وحده، إذ تواجه مراكز النداء تحولاً أعمق يتمثل في التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي والأتمتة.
فعدد متزايد من المهام التي كانت تتطلب تدخلاً بشرياً أصبح قابلاً للتنفيذ بواسطة الأنظمة الرقمية، من الرد على الاستفسارات البسيطة إلى معالجة بعض الطلبات وتصنيف البيانات وتقديم الدعم الأولي للعملاء.
وتحذر الجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ من أن الجمع بين القيود التنظيمية الخارجية والتحول التكنولوجي قد يفرض ضغوطاً إضافية على الوظائف التقليدية، ما لم تتم مواكبته بسياسات تكوين وإعادة تأهيل واسعة.
ولهذا الغرض، اقترحت النقابة إنشاء مرصد وطني لسوق الشغل في قطاع الأوفشورينغ، يتولى تتبع تطورات القطاع ورصد المهن المعرضة للتحول، إلى جانب تحديد حاجيات الشركات من الكفاءات والتكوينات في أفق سنة 2030.
ومن بين المقترحات المطروحة أيضاً إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل العاملين قبل تسارع وتيرة التحول التكنولوجي، مع فتح مسارات نحو المهن الرقمية والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى.
كما تدعو الجامعة إلى تطوير شهادات مهنية معترف بها وربط جزء من الدعم العمومي الموجه إلى القطاع بالتزامات واضحة في مجال الحفاظ على التشغيل، وتكوين العاملين، وتحسين ظروف العمل.
وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي لعبه قطاع الأوفشورينغ في خلق فرص العمل المرتبطة بالأسواق الخارجية، خصوصاً في مجال الخدمات الموجهة إلى الشركات والعملاء الناطقين بالفرنسية.
وفي المقابل، لا ترى الفيدرالية المغربية للأوفشورينغ أن القطاع يتجه حالياً نحو انهيار أو موجة جماعية من فقدان الوظائف، معتبرة أن الأنشطة المتضررة من التشريع الفرنسي تمثل جزءاً محدوداً من إجمالي خدمات مراكز الاتصال.
غير أن ظهور حالات فعلية للإغلاق والتسريح يفرض التعامل مع التطورات بقدر أكبر من الحذر، خصوصاً إذا اتسعت دائرة التأثير مع استقرار تطبيق القواعد الفرنسية الجديدة وعودة الطلب إلى مستوياته المعتادة.
ويبدو أن التحدي المطروح أمام المغرب يتجاوز في الواقع تداعيات قانون فرنسي بعينه، ليصل إلى مستقبل نموذج اقتصادي كامل يعتمد على تصدير الخدمات إلى الخارج.
فالحفاظ على موقع المملكة في سوق الأوفشورينغ سيتطلب الانتقال تدريجياً من الخدمات التقليدية منخفضة القيمة إلى أنشطة أكثر تخصصاً، والاستثمار في المهارات الرقمية، وتطوير قدرات العاملين على التعامل مع الأدوات التكنولوجية الجديدة.




