المغرب يراهن على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي لتعزيز موقعه الرقمي في إفريقيا

يدخل المغرب مرحلة جديدة من سباق التحول الرقمي في إفريقيا، مع تزايد المشاريع المرتبطة بمراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الدينامية في وقت تتجه فيه المملكة إلى استقطاب استثمارات ضخمة يمكن أن ترفع قدرتها على معالجة وتخزين البيانات وتمنحها موقعا أكثر أهمية داخل الاقتصاد الرقمي القاري.
وتبرز مشاريع مرتقبة في النواصر والداخلة كأحد أبرز مؤشرات هذا التحول، في وقت يرى فيه محللون أن الموقع الجغرافي للمغرب، واتصالاته الدولية، وقربه من أوروبا، إلى جانب إمكاناته في مجال الطاقات المتجددة، تمنحه عناصر مهمة للمنافسة على سوق مراكز البيانات الإفريقية.
وفي تحليل نشرته منصة «The Conversation» في 9 غشت، يرى تييري برتيي، الأستاذ المحاضر في الرياضيات والأمن السيبراني والدفاع السيبراني بجامعة ليموج، أن المغرب يتوفر على مؤهلات تسمح له بالطموح إلى لعب دور متقدم في مجال مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي على المستوى الإفريقي.
ولا يتعلق الرهان فقط بجذب الاستثمارات الرقمية، بل يرتبط أيضا بقضايا السيادة على البيانات، والأمن السيبراني، وتكوين الكفاءات، والقدرة على تحويل البنية التحتية الرقمية إلى قيمة اقتصادية محلية.
يأتي مشروع مركز البيانات المرتقب في النواصر، بالقرب من الدار البيضاء، في مقدمة المشاريع التي تعكس حجم التحول الجاري.
ويضم المشروع، وفق المعطيات الواردة في التحليل، تحالفا من شركات دولية من بينها «Naver Cloud» الكورية الجنوبية و«Nvidia» الأمريكية و«Nexus Core Systems»، باستثمار يقدر بنحو 1.2 مليار دولار، مع استهداف قدرة تصل إلى 500 ميغاواط على المدى الطويل.
وفي الداخلة، يجري الحديث عن مشروع آخر لمركز بيانات يعتمد على الطاقة المتجددة، خصوصا الشمسية والريحية، بقدرة معلنة تبلغ 500 ميغاواط، على أن يرتبط بمنظومة تجمع بين مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والبحث والتكوين.
وتشير المعطيات نفسها إلى إمكانية وصول القدرة الإجمالية لما يصل إلى أربعة مشاريع كبرى إلى نحو 2 جيغاواط إذا تحققت الاستثمارات بالأحجام المعلنة، وهو ما من شأنه أن ينقل قطاع مراكز البيانات المغربي إلى مستوى مختلف تماما.
ورغم الزخم الاستثماري، لا يحتل المغرب حاليا صدارة سوق مراكز البيانات في القارة.
ففي نهاية 2025، بلغ عدد مراكز البيانات النشطة في إفريقيا نحو 211 مركزا، وكانت جنوب إفريقيا تتصدر القائمة بـ49 منشأة. وحل المغرب في المرتبة الخامسة، مع ثمانية مراكز مسجلة في الدار البيضاء، خلف جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا ومصر.
غير أن المعادلة قد تتغير مع دخول المشاريع الجديدة حيز التنفيذ، إذ إن حجم الاستثمارات المستقبلية قد يكون أكثر أهمية من عدد المنشآت الموجودة حاليا.
ويعني ذلك أن المغرب لا ينافس فقط بما يمتلكه اليوم، وإنما بما يستطيع بناءه خلال السنوات المقبلة، خصوصا إذا نجح في جذب مشاريع مخصصة للحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي.
ويملك المغرب ميزة يصعب تجاهلها في هذه المنافسة، تتمثل في موقعه عند ملتقى القارة الإفريقية والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وعلى مقربة من السوق الأوروبية.
وتكتسي هذه الجغرافيا أهمية خاصة بالنسبة إلى مراكز البيانات، حيث تشكل سرعة نقل البيانات وانخفاض زمن الاستجابة واستقرار الاتصال عناصر حاسمة في اختيار مواقع هذه المنشآت.
كما يرتبط المغرب بعدد من الكابلات البحرية الدولية، من بينها «Africa-1» و«2Africa»، وهو ما يعزز قدرته على الربط مع الأسواق الدولية.
وبفضل هذه البنية، يمكن للمغرب أن يقدم نفسه كمنصة رقمية تجمع بين القرب من أوروبا والوصول إلى الأسواق الإفريقية، وهي معادلة قد تكون جذابة لشركات التكنولوجيا العالمية والمؤسسات التي تبحث عن مواقع آمنة وقريبة لاستضافة بياناتها.
لكن استقطاب مراكز البيانات لا يعني تلقائيا تحقيق السيادة الرقمية.
فالسوق المغربية لا تزال تعرف درجة مرتفعة من التركّز، إذ تستحوذ مجموعة من الفاعلين، من بينهم «Maroc Telecom» و«Inwi» و«Medasys» و«N+one»، على أكثر من 84 في المائة من السوق، وفق المعطيات التي أوردها التحليل.
وفي المقابل، يتزايد اهتمام الشركات الدولية بالسوق المغربية من خلال الاستثمارات والشراكات، وهو ما يطرح سؤالا استراتيجيا حول طبيعة النموذج الذي تسعى المملكة إلى بنائه.
فهل سيكون المغرب مجرد موقع لاستضافة البنية التحتية الرقمية لشركات عالمية، أم سيتمكن من تطوير منظومة محلية تنتج خدمات ومنتجات تكنولوجية ذات قيمة مضافة؟
وتكمن أهمية السؤال في أن السيادة الرقمية لا ترتبط فقط بمكان وجود الخوادم، وإنما أيضا بالقدرة على التحكم في البيانات وتطوير البرمجيات والخدمات وتأهيل الموارد البشرية.
وتزداد أهمية هذا الرهان في القارة الإفريقية، حيث لا تزال كميات مهمة من البيانات المنتجة داخل القارة تُخزن وتُعالج خارجها.
ويؤدي ذلك إلى خروج جزء من القيمة الاقتصادية المرتبطة بالبيانات، إضافة إلى خلق تبعية للبنية التكنولوجية الأجنبية.
ومن شأن توسيع قدرات مراكز البيانات في المغرب أن يساهم في الاحتفاظ بجزء أكبر من هذه القيمة داخل القارة، من خلال خلق وظائف عالية التأهيل، وتطوير خدمات الحوسبة السحابية، وتعزيز أنشطة الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وبذلك، يتحول الرهان من مجرد استضافة البيانات إلى بناء اقتصاد متكامل حولها.
وتطرح مراكز البيانات في الوقت نفسه تحديا كبيرا على مستوى الطاقة، نظرا إلى استهلاكها المرتفع للكهرباء، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية المخصصة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المكثفة.
ومن هنا تبرز أهمية المشاريع التي تربط البنية الرقمية بمصادر الطاقة المتجددة.
ويقدم مشروع الداخلة نموذجا لهذا الاتجاه، من خلال الجمع بين مركز بيانات كبير وإمدادات تعتمد على الطاقة الشمسية والريحية.
غير أن تشغيل منشآت بهذا الحجم يتطلب أكثر من مجرد توفير الطاقة النظيفة، إذ يحتاج أيضا إلى شبكات كهربائية مستقرة، وأنظمة تبريد متطورة، وبنية اتصالات مؤمنة، وقدرة على ضمان استمرارية الخدمة على مدار الساعة.
وقد يمنح توطين مشاريع رقمية كبرى في الداخلة المدينة دورا يتجاوز النشاط الاقتصادي التقليدي، من خلال ربطها بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبحث والتكوين.
ومن شأن هذا التوجه أن يوسع انتشار الاقتصاد الرقمي خارج المراكز الحضرية الكبرى، ويفتح المجال أمام ظهور أقطاب تكنولوجية جديدة مرتبطة بموارد الطاقة وممرات الاتصال الدولية.
كما يمكن أن يشكل ذلك إحدى الأدوات لتعزيز حضور المغرب داخل الاقتصاد الرقمي الإفريقي، عبر توفير بنية تحتية تستهدف الشركات والأسواق في مختلف أنحاء القارة.
ومع ذلك، فإن الإعلان عن مئات الميغاواطات من القدرات الرقمية لا يعني بالضرورة تحقيق النجاح التجاري.
فالمعيار الأساسي سيكون قدرة هذه المنشآت على جذب مستخدمين واستثمارات وتحويل طاقتها التقنية إلى نشاط اقتصادي مستدام.
وتشير المعطيات التي استند إليها التحليل إلى أن متوسط استخدام مراكز البيانات الإفريقية لا يزال في حدود 40 في المائة، مقابل مستويات تتراوح بين 70 و80 في المائة في أوروبا والشرق الأوسط.
وبالتالي، يحتاج المغرب إلى تطوير الطلب على خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات والذكاء الاصطناعي، ليس فقط على المستوى المحلي، وإنما أيضا داخل الأسواق الإفريقية.
ولا يقل الاستثمار في العنصر البشري أهمية عن الاستثمار في الخوادم ومراكز البيانات.
فتشغيل البنية الرقمية المتقدمة يحتاج إلى مهندسين وخبراء في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وإدارة البيانات.
ومن دون قاعدة بشرية مؤهلة، قد تتحول المنشآت الضخمة إلى مجرد منصات تستفيد منها الشركات الدولية، دون أن تنشأ حولها منظومة تكنولوجية محلية قادرة على إنتاج القيمة.
ولهذا، فإن تطوير التكوين والبحث العلمي والشركات الناشئة سيكون جزءا أساسيا من نجاح الرهان المغربي.
وفي المحصلة، يقف المغرب أمام فرصة لتحويل موقعه الجغرافي وبنيته التحتية واتصالاته الدولية وإمكاناته في مجال الطاقة المتجددة إلى ميزة تنافسية في اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي.
لكن تحقيق هذا الهدف لن يتوقف على عدد مراكز البيانات التي ستُبنى أو حجم قدرتها الكهربائية، بل على قدرة المملكة على إنشاء منظومة متكاملة تجمع بين الطاقة النظيفة، والاتصال الدولي، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، والتكوين، والشركات المحلية والسيادة على البيانات.
وإذا نجح المغرب في بناء هذه المنظومة، فقد ينتقل خلال السنوات المقبلة من مجرد سوق رقمية صاعدة إلى أحد أهم المراكز الإفريقية لمعالجة البيانات وتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي.




