القانون الفرنسي الجديد يضغط على مراكز النداء المغربية ويدفعها نحو أسواق بديلة

دخلت فرنسا مرحلة جديدة في تنظيم التسويق الهاتفي مع بدء تطبيق قانون يشترط الحصول على موافقة مسبقة من المستهلك قبل إجراء الاتصالات التجارية، في خطوة من المرتقب أن تترك آثاراً مباشرة على جزء من قطاع مراكز النداء بالمغرب، بالنظر إلى الارتباط القوي للقطاع بالسوق الفرنسية.
ويأتي النظام الجديد ليضع حداً للعمل بآلية «Opt-out» التي كانت تتيح للمستهلك الاعتراض على المكالمات التجارية عبر التسجيل في لائحة «Bloctel». وبدلاً من ذلك، أصبح الأصل هو الحصول على موافقة صريحة ومحددة وحرة من المستهلك قبل التواصل معه لأغراض التسويق، مع إمكانية سحب هذه الموافقة لاحقاً.
ولا يعني القانون إغلاق الباب أمام جميع أشكال التواصل التجاري مع العملاء، إذ يمكن للشركات الاستمرار في التواصل مع زبنائها الحاليين بشأن عروض مرتبطة مباشرة بعقد قائم بينهم، كما يتضمن النظام الجديد استثناءات محددة، من بينها التسويق المتعلق بالاشتراك في الصحف والمجلات.
ومع دخول المنظومة الجديدة حيز التنفيذ، انتهى العمل بنظام «Bloctel»، لتنتقل السوق الفرنسية بذلك إلى نموذج أكثر تشدداً في حماية المستهلك وتنظيم الاتصالات التجارية.
وتتضمن القواعد الجديدة عقوبات مالية مرتفعة على التسويق الهاتفي غير المتوافق مع المتطلبات القانونية، إذ يمكن أن تصل الغرامة إلى 75 ألف يورو بالنسبة إلى الأشخاص الذاتيين، بينما قد تبلغ 375 ألف يورو بالنسبة إلى الشركات.
أما العقوبات التي تشمل السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات وغرامة قد تصل إلى 500 ألف يورو، فتتعلق بحالات محددة مرتبطة باستغلال هشاشة أو ضعف بعض الأشخاص، ولا تشكل عقوبة تلقائية على كل مخالفة لقواعد التسويق الهاتفي.
وتكتسي هذه التغييرات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يتوفر على قطاع واسع لترحيل الخدمات ومراكز الاتصال، يرتبط جزء مهم منه بعقود مع شركات ومؤسسات فرنسية.
وكان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، قد حذر من احتمال تأثر ما بين 40 ألفاً و50 ألف منصب شغل جراء التحولات التي يشهدها نشاط التسويق الهاتفي المرتبط بالسوق الفرنسية.
غير أن تداعيات القانون لن تكون بالحدة نفسها على جميع الشركات العاملة في القطاع، إذ تختلف درجة تعرضها للمخاطر بحسب طبيعة الخدمات التي تقدمها ومدى اعتمادها على التسويق الهاتفي المباشر والسوق الفرنسية.
وبحسب معطيات مهنية، لا يمثل التسويق الهاتفي المباشر سوى ما بين 15 و20 في المائة من إجمالي نشاط مراكز النداء بالمغرب، ما يعني أن الجزء الأكبر من القطاع قد لا يتأثر بشكل مباشر بالتغيير التشريعي الفرنسي.
وأمام هذه المستجدات، يتجه قطاع ترحيل الخدمات بالمغرب إلى البحث عن أسواق بديلة، خصوصاً في إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، إلى جانب التوسع في الأسواق الإفريقية وأمريكا اللاتينية.
ولا تقتصر الاستراتيجية على تغيير الوجهة الجغرافية، بل تشمل أيضاً تطوير طبيعة الخدمات المقدمة، من خلال الانتقال تدريجياً من المكالمات التجارية المباشرة إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، مثل الدعم التقني، ومعالجة العمليات الإدارية، وخدمات ما بعد البيع، وإدارة علاقات العملاء عبر قنوات متعددة.
ويبرز كذلك رهان تأهيل الموارد البشرية باعتباره أحد محاور التكيف مع المرحلة الجديدة، من خلال تكوين العاملين وتطوير مهاراتهم بما يتناسب مع الخدمات الأكثر تخصصاً وتعقيداً.
وتتزامن هذه التحولات التشريعية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع مراكز الاتصال، الأمر الذي يفرض بدوره إعادة التفكير في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
وبينما قد يؤدي اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الحاجة إلى بعض المهام الروتينية، فإنه يفتح في المقابل المجال أمام وظائف وخدمات أكثر تخصصاً، خصوصاً في المجالات التي تتطلب مهارات تقنية وقدرة على تحليل البيانات والتعامل مع الزبناء عبر قنوات متعددة.
وبذلك، لا يمثل القانون الفرنسي مجرد تغيير في قواعد التسويق الهاتفي، بل يشكل اختباراً أوسع لقطاع مراكز النداء بالمغرب، ومدى قدرته على تقليص اعتماده على نشاط واحد وسوق واحدة، والانتقال نحو نموذج أكثر تنوعاً وتخصصاً وقابلية للتكيف مع التحولات التنظيمية والتكنولوجية.




