اقتصاد المغربالشركات

الفوسفاط المغربي يعزز موقع المملكة في استراتيجية واشنطن لمواجهة الهيمنة الصينية

يتزايد الاهتمام الأمريكي بالمغرب باعتباره أحد أبرز البدائل القادرة على تأمين إمدادات الفوسفاط ومشتقاته، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية وتقليص اعتمادها على الصين في قطاعات ترتبط بالأمن الغذائي والصناعي والطاقة.

ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد المخاوف الأمريكية من اضطرابات أسواق الأسمدة والمعادن الحيوية، وهو ما جعل الموارد الفوسفاطية المغربية تكتسب أهمية تتجاوز الاستخدام التقليدي في إنتاج الأسمدة، لتشمل مجالات استراتيجية مثل بطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.

وفي تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، اعتُبر تخفيف القيود والرسوم الأمريكية المفروضة على واردات مجموعة «المجمع الشريف للفوسفاط» مؤشرًا على رغبة واشنطن في تعزيز التعاون مع المغرب وتأمين تدفقات مستقرة من المنتجات الفوسفاطية، خصوصًا في ظل التحولات التي تشهدها الأسواق العالمية.

ويستند هذا الاهتمام إلى المكانة الاستثنائية التي يحتلها المغرب في سوق الفوسفاط، إذ تشير المعطيات الواردة في التحليل إلى امتلاك المملكة نحو 70% من الاحتياطيات العالمية المعروفة من صخور الفوسفاط، الأمر الذي يمنحها موقعًا مؤثرًا في سلسلة إنتاج الأسمدة والمنتجات المرتبطة بالفوسفور.

وتزداد أهمية هذا الموقع مع تراجع صادرات الصين من عدد من المنتجات الفوسفاطية، بفعل القيود المحلية وضوابط التصدير التي اعتمدتها بكين خلال السنوات الأخيرة. ويرى المعهد أن هذه التطورات كشفت هشاشة اعتماد الاقتصادات الغربية على مصدر واحد للمواد الأساسية.

وتزامنت هذه التحولات مع اضطرابات في أسواق الأسمدة، تفاقمت بفعل التوترات الجيوسياسية التي أثرت على إمدادات مواد تدخل في مراحل تصنيع الأسمدة، من بينها الكبريت والأمونيا، ما دفع الدول المستهلكة إلى البحث عن موردين أكثر استقرارًا وتنويع مصادر الإمداد.

وفي هذا السياق، يبرز المغرب كخيار استراتيجي بالنسبة إلى واشنطن، ليس فقط بفضل احتياطياته الضخمة، وإنما أيضًا بسبب موقعه كشريك قديم للولايات المتحدة وقدرته على مواصلة الإنتاج والتصدير في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق العالمية.

غير أن الرهان الأمريكي لا يتوقف عند الأسمدة التقليدية، إذ تتجه الأنظار بشكل متزايد إلى إمكانية تطوير إنتاج حمض الفوسفوريك المنقى، المعروف اختصارًا بـ«PPA»، والذي يدخل في تصنيع أقطاب بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم «LFP».

وتستخدم بطاريات «LFP» على نطاق واسع في السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، ما يجعل حمض الفوسفوريك المنقى مادة ذات أهمية متزايدة في ظل السباق العالمي نحو تطوير سلاسل توريد مستقلة لقطاع الطاقة النظيفة.

وبحسب التحليل الأمريكي، تهيمن الصين على الجزء الأكبر من عمليات تكرير حمض الفوسفوريك المنقى عالميًا، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى البحث عن مصادر بديلة تستطيع من خلالها تقليص المخاطر الناتجة عن الاعتماد على بكين في مرحلة أساسية من سلسلة تصنيع البطاريات.

وتكشف هذه المعادلة عن تحول لافت في نظرة واشنطن إلى الفوسفاط، بعدما تجاوز التعامل معه إطار المادة الأولية المخصصة لإنتاج الأسمدة، ليصبح جزءًا من الحسابات المرتبطة بالأمن الصناعي والتكنولوجي.

فلسنوات، اعتمدت الولايات المتحدة على إرسال جزء من الفوسفاط المركز المنتج محليًا إلى الصين من أجل معالجته، مستفيدة من انخفاض تكاليف التكرير هناك. غير أن استمرار هذا النموذج خلق نوعًا من الاعتماد على قوة اقتصادية تعتبرها واشنطن منافسًا استراتيجيًا، وهو ما أصبح أكثر حساسية مع تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية بين البلدين.

وفي إطار تقليص هذه المخاطر، بدأت الولايات المتحدة في إدراج الفوسفاط ومشتقاته ضمن حساباتها المتعلقة بالموارد الاستراتيجية. وشمل ذلك إضافة الفوسفاط إلى قائمة المعادن الحيوية الأمريكية، إلى جانب استخدام قانون الإنتاج الدفاعي بهدف دعم وتأمين إمدادات الفوسفور العنصري.

وتندرج هذه الخطوات ضمن سياسة أمريكية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر المعادن والمواد الحيوية وتقليل الاعتماد على الصين، وهي السياسة التي تشمل كذلك الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المدخلات الأساسية للصناعات الحديثة.

كما تعزز التعاون المغربي الأمريكي في هذا المجال من خلال اتفاق وقع في فبراير الماضي لتعزيز الشراكة في المعادن الحيوية، وهو ما قد يمهد الطريق أمام توسيع التعاون ليشمل منتجات فوسفاطية ذات قيمة مضافة مرتفعة، وعلى رأسها حمض الفوسفوريك المنقى المستخدم في صناعة البطاريات.

وبالنسبة للمغرب، فإن هذا التحول يفتح آفاقًا تتجاوز تصدير المواد الأولية نحو تعزيز التصنيع المحلي للمنتجات ذات القيمة المضافة، والاستفادة من موقع المملكة في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالأسمدة والطاقة والسيارات الكهربائية.

وبذلك، يتحول الفوسفاط المغربي تدريجيًا إلى ورقة اقتصادية واستراتيجية متعددة الاستخدامات، تجمع بين الأمن الغذائي من خلال الأسمدة، والأمن الصناعي عبر المعادن الحيوية، ومستقبل التنقل الكهربائي وتخزين الطاقة.

وفي ظل المنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين على تأمين سلاسل الإمداد، يبدو أن المغرب مرشح لتعزيز موقعه كشريك مهم للولايات المتحدة، مستفيدًا من موارده الفوسفاطية وقدراته الصناعية وموقعه المتنامي في منظومة الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى