الاقتصاديةالتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي وجيل زد.. صراع بين وعود المستقبل ومخاوف الوظائف

بينما تخوض شركات التكنولوجيا سباقاً عالمياً لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي والترويج لها باعتبارها نقطة تحول تاريخية قد تعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والحياة اليومية، تظهر مفارقة لافتة؛ إذ إن الجيل الذي نشأ وسط الهواتف الذكية والمنصات الرقمية هو نفسه الذي يبدي أكبر قدر من الحذر تجاه هذه الثورة الجديدة.

فبدلاً من استقبال الذكاء الاصطناعي باعتباره امتداداً طبيعياً للتطور التكنولوجي، ينظر عدد متزايد من أبناء جيل زد إليه بقلق، باعتباره قوة قد تعيد رسم سوق العمل بطريقة تهدد فرصهم المهنية، وتقلل من قيمة المهارات التي أمضوا سنوات في اكتسابها.

وفي الوقت الذي يرى فيه قادة الشركات الكبرى أن القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي ستصبح شرطاً أساسياً للنجاح في المستقبل، يطرح الشباب تساؤلات مختلفة حول طبيعة هذا التحول: من المستفيد الحقيقي من هذه الثورة؟ وهل ستكون التكنولوجيا أداة لتحرير الإنسان أم منافساً جديداً له؟

لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي مقتصراً على قطاع التكنولوجيا أو الوظائف التقليدية، بل وصل إلى أكثر المجالات ارتباطاً بالإبداع البشري.

وتصاعد النقاش بعد إعلان المخرج الأمريكي الشهير مارتن سكورسيزي تعاونه مع شركة Black Forest Labs المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، بهدف استخدام هذه الأدوات في إعداد التصورات الأولية للمشاهد السينمائية خلال مراحل التخطيط والإنتاج.

ورغم أن الخطوة قدمت باعتبارها وسيلة لمساعدة المبدعين وتسريع عملية الإنتاج، فإنها أثارت انتقادات واسعة من فنانين ومتابعين رأوا أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة السينما قد يؤدي إلى تراجع دور الإنسان في العملية الإبداعية، وتحويل الفن إلى عملية أكثر اعتماداً على الخوارزميات.

وامتد الجدل إلى الجامعات أيضاً، حيث شهدت بعض حفلات التخرج في الولايات المتحدة ردود فعل غاضبة عندما تحدث مسؤولون ورجال أعمال عن الذكاء الاصطناعي باعتباره مستقبل الصناعة والعمل.

وفي بعض الحالات، واجه متحدثون دعوا الطلاب إلى تبني هذه التكنولوجيا احتجاجات من خريجين يشعرون بالقلق من أن يكون مستقبلهم المهني أكثر صعوبة بسبب توسع الأتمتة.

لطالما ارتبط الشباب بصورة الفئة الأكثر سرعة في تبني التقنيات الحديثة. فقد كانوا أول المستخدمين النشطين لمنصات التواصل الاجتماعي، والألعاب الرقمية، والهواتف الذكية.

لكن الذكاء الاصطناعي غيّر هذه المعادلة جزئياً، لأن تأثيره لا يتعلق فقط بطريقة التواصل أو الترفيه، بل يمتد مباشرة إلى التعليم والعمل والوظائف المستقبلية.

فالكثير من أبناء جيل زد لا يرون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة جديدة تساعدهم، بل يعتبرونه منافساً محتملاً قد يعيد تعريف قيمة المهارات البشرية.

وتشير دراسات واستطلاعات حديثة إلى وجود مخاوف لدى عدد من الشباب من أن يؤدي الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف القدرة على التفكير النقدي، وتقليل الحافز على التعلم العميق، خصوصاً في المجالات التي يمكن للآلات تنفيذ جزء كبير من مهامها.

وفي المقابل، تبدو الأجيال الأكبر سناً أكثر انفتاحاً على هذه التكنولوجيا في بعض الحالات، وهو اختلاف يعكس طبيعة التجارب التي عاشها كل جيل مع التحولات التقنية السابقة.

يرى الباحثون أن موقف الأجيال الأكبر يرتبط جزئياً بمسار التطور التكنولوجي الذي عاشته خلال حياتها المهنية.

فجيل طفرة المواليد شهد الانتقال من الأنظمة الورقية والآلات الكاتبة إلى الحواسيب والإنترنت والبرمجيات الرقمية، ولذلك يرى كثير منهم الذكاء الاصطناعي باعتباره مرحلة جديدة ضمن سلسلة طويلة من الابتكارات التي جعلت العمل أكثر كفاءة.

Lost in your career? Gen Z turns to AI for advice | TechGig

كما أن هذه الفئة غالباً ما تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتحسين الإنتاجية وتوفير الوقت، خصوصاً في المهام الروتينية، وليس بالضرورة كتهديد مباشر لمستقبلها الوظيفي.

أما الشباب، فإن علاقتهم بهذه التكنولوجيا مختلفة، لأنهم يدخلون سوق العمل في مرحلة تتغير فيها طبيعة الوظائف بسرعة كبيرة، ما يجعل تأثير الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبلهم الاقتصادي.

يدعو العديد من قادة قطاع التكنولوجيا الشباب إلى تعلم استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره مهارة أساسية لا يمكن تجاهلها، ويرون أن من يرفض هذه التكنولوجيا قد يجد نفسه خارج المنافسة.

لكن هذا الخطاب يواجه انتقادات من بعض أبناء جيل زد، الذين يرون أن القضية ليست مجرد تعلم أداة جديدة، بل ترتبط بتحولات اقتصادية أوسع.

فالشباب اليوم يواجهون سوق عمل مختلفاً عن الأجيال السابقة، يتميز بسرعة تغير الوظائف، وارتفاع المنافسة، وزيادة الحاجة إلى تحديث المهارات باستمرار.

كما أن ارتفاع تكاليف التعليم وتراجع الاستقرار الوظيفي يجعلان كثيرين يشعرون بأنهم يدخلون سباقاً غير متكافئ، حيث يتعين عليهم التكيف مع تقنيات قد تكون في الوقت نفسه سبباً في تقليص بعض الفرص المتاحة لهم.

ولهذا فإن الدعوة إلى “التكيف فقط” لا تبدو كافية بالنسبة للبعض، لأنها لا تجيب عن أسئلة أعمق تتعلق بكيفية توزيع فوائد التكنولوجيا وتأثيرها على سوق العمل.

لا يرتبط الخوف من الذكاء الاصطناعي فقط باحتمال اختفاء بعض الوظائف، بل يمتد إلى أسئلة تتعلق بدور الإنسان وقيمته في عالم تتحكم فيه الخوارزميات بشكل متزايد.

فالشباب يشعرون أحياناً بأنهم مطالبون ببناء مهارات جديدة، بينما تعمل التكنولوجيا في الوقت نفسه على تطوير أدوات قادرة على أداء جزء من هذه المهام.

كما يثير انتشار الخوارزميات مخاوف حول تأثيرها في تشكيل القرارات اليومية، من المحتوى الذي يراه المستخدمون، إلى المنتجات التي يشترونها، وحتى المعلومات التي يعتمدون عليها في تكوين آرائهم.

ويعيش كثير من الشباب حالة من التناقض؛ فهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للاستفادة منها، لكنهم يخشون في الوقت نفسه من أن يؤدي الاعتماد عليها بشكل مفرط إلى إضعاف استقلالية التفكير والقدرة على الابتكار.

Gen Z and Generative AI: Redefining Creativity - Aim Technologies

في الماضي، كان بإمكان الأفراد اختيار مدى ارتباطهم بالتكنولوجيا، إذ كان من الممكن تجنب بعض الأدوات الرقمية دون تأثير كبير على الحياة اليومية.

أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من قطاعات أساسية مثل التعليم، والعمل، والخدمات، والإعلام، ما يجعل الابتعاد عنه أكثر صعوبة.

لكن رفض بعض الشباب ليس بالضرورة رفضاً للتكنولوجيا نفسها، بل هو اعتراض على فكرة أن مستقبلهم قد يُحدد بالكامل من قبل الشركات الكبرى دون مشاركة حقيقية منهم في رسم هذا المستقبل.

فالمعركة المقبلة لن تكون بين الإنسان والآلة فقط، بل حول كيفية بناء علاقة جديدة بين الطرفين.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة لتعزيز قدرات الإنسان وفتح فرص جديدة، لكنه قد يتحول إلى مصدر قلق إذا أصبح بديلاً يقلل من قيمة المهارات البشرية ويزيد الفجوة الاقتصادية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأساسي ليس هل سينتصر الذكاء الاصطناعي أم الإنسان، بل: هل سيتمكن العالم من بناء مستقبل تستخدم فيه التكنولوجيا لخدمة البشر، أم سيجد البشر أنفسهم مضطرين للتكيف مع مستقبل صممته الآلات؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى