اقتصاد المغرب

الدار البيضاء تبحث مستقبل المدن الذكية عبر الابتكار وريادة الأعمال

في سياق النقاش العالمي المتصاعد حول مستقبل المدن والتحول الرقمي، احتضنت مدينة الدار البيضاء، اليوم الخميس، سلسلة من المداخلات الرفيعة المستوى التي جمعت خبراء ومسؤولين من المغرب وخارجه، حول الأدوار المتزايدة لريادة الأعمال والابتكار في إعادة تشكيل الاقتصاد الحضري وتعزيز التماسك داخل المدن الحديثة.

وجاءت هذه النقاشات ضمن أشغال الجلسة العامة الثانية من الدورة العاشرة لحدث Casablanca Smart City، المنعقد تحت شعار “ريادة الأعمال والإبداع الحضري: تحفيز الاقتصاد المحلي والتآزر المواطن”، حيث تم التأكيد على أن الاستثمار في الرأسمال البشري وبناء بيئات حاضنة للمشاريع المبتكرة يشكلان أساس أي تحول حضري ناجح.

وأجمع المتدخلون على أن مفهوم المدينة الذكية لم يعد مرتبطاً فقط بالتقنيات والبنية الرقمية، بل أصبح يقوم أساساً على قدرة المدن على جذب الكفاءات، واحتضان المبادرات الناشئة، وربط جسور التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية.

وفي هذا الإطار، قدم المدير التنفيذي بالنيابة لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بمؤسسة Singapore Cooperation Enterprise، مارك ليو، عرضاً لتجربة منطقة Punggol Digital District بسنغافورة، باعتبارها نموذجاً متقدماً لدمج منظومات التعليم والابتكار والاستثمار في فضاء واحد متكامل.

وأوضح أن نجاح هذا النموذج يرتكز على تدفق البيانات بين مختلف الفاعلين، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والشركات الناشئة، إضافة إلى الاستثمار في تطوير المهارات الرقمية بما يتماشى مع التحولات السريعة لسوق العمل العالمي.

من جانبها، أكدت المديرة العامة لـTechnopark Morocco، لمياء بنمخلوف، أن المغرب جعل من ريادة الأعمال خياراً استراتيجياً ضمن رؤية وطنية يقودها الابتكار والتحول الرقمي.

وأبرزت أن “تكنوبارك” يشتغل على دعم المقاولات الناشئة عبر منظومة متكاملة تربطها بالتمويل، والبحث العلمي، والقطاعين العام والخاص، مشيرة إلى أن عدداً مهماً من هذه المقاولات أصبح اليوم قادراً على ولوج الأسواق الدولية وتصدير خدماته الرقمية.

وفي تجربة أوروبية موازية، استعرضت نائبة عمدة مدينة Toulouse المكلفة بالاقتصاد، إيزابيل فيريي، تجربة مدينتها في تطوير أقطاب متخصصة في مجالات استراتيجية مثل الطيران، والصحة، والتنقل منخفض الانبعاثات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.

وأوضحت أن هذه الأقطاب تشكل فضاءات للتكامل بين البحث العلمي والشركات الكبرى والمقاولات الناشئة، مع توفير برامج مواكبة موجهة للطلبة وحاملي المشاريع الابتكارية.

بدورها، اعتبرت رئيسة Human Impact Hub، إيمان بلمعطي، أن المدن الذكية مطالبة اليوم بالتحول إلى فضاءات حقيقية لخلق الفرص الاقتصادية والاجتماعية، خاصة لفائدة الشباب.

ودعت إلى تعزيز التكامل بين السياسات العمومية والمبادرات الخاصة والعمل الجمعوي، إلى جانب ابتكار آليات تمويل أكثر مرونة تستجيب لطبيعة المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي.

وفي سياق عرض تجارب إفريقية، قدم المستشار ببلدية Dakar ورئيس لجنة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أبرهام بادجي، مشروعاً رقمياً يحمل اسم “Set Wash”، يهدف إلى تنظيم قطاع غسل السيارات وإدماجه ضمن الاقتصاد الرسمي.

وأشار إلى أن هذا المشروع يحقق نتائج ملموسة، سواء على مستوى ترشيد استهلاك المياه أو خلق فرص الشغل أو إدماج الشباب في الدورة الاقتصادية المهيكلة.

من جهته، دعا مدير مركز Africa Business School، حميد بوشيخي، إلى تبني مقاربة حضرية جديدة تقوم على توفير بيئات محفزة للابتكار وتشجيع روح المبادرة.

وأكد أن المدن الحديثة بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التجريب والانفتاح على الأفكار الناشئة، مع تعزيز التفاعل بين مختلف الفاعلين لضمان استمرارية دينامية ريادة الأعمال.

وتأتي دورة هذه السنة من Casablanca Smart City، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، كمنصة دولية لتبادل الرؤى حول تحديات التحول الرقمي، ودور التكنولوجيا في تطوير الخدمات العمومية وتعزيز الحكامة الحضرية.

كما تعكس هذه التظاهرة الدينامية المتسارعة التي تعرفها الدار البيضاء لتعزيز موقعها كقطب إفريقي رائد في مجال المدن الذكية، من خلال فتح نقاشات متعددة الأطراف حول مستقبل التنمية الحضرية المستدامة والتحول الرقمي الشامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى