اضطرابات السندات تتصاعد والأسهم تواصل الصعود بدعم من التكنولوجيا

دخلت الأسواق المالية العالمية أكتوبر وسط مشهد متناقض، إذ واصلت أسهم التكنولوجيا دفع مؤشر ناسداك إلى مستويات قياسية، في حين ازدادت الضغوط على أسواق السندات مع ارتفاع عوائد الديون السيادية واتساع المخاوف بشأن انتقال مخاطر أسعار الفائدة إلى أسواق الائتمان.
وبحسب قراءة الخبير الاقتصادي محمد العريان في تقريره الأسبوعي، فإن ما تشهده أسواق السندات لا يرتبط فقط بتغير توقعات السياسة النقدية الأميركية أو تحركات أسعار النفط والنمو الاقتصادي، بل يعكس تحولًا أعمق في طريقة تسعير المخاطر على المدى الطويل.
شهدت عوائد السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات المتقدمة ارتفاعات قوية، مدفوعة بزيادة احتياجات الحكومات والشركات إلى التمويل عبر أسواق الدين، بالتزامن مع تراجع مساهمة بعض المستثمرين التقليديين في توفير الطلب المستقر على السندات.
ويبرز الجانب الأكثر أهمية في انتقال الضغوط من سوق السندات السيادية إلى سوق الائتمان، بعدما بدأت فروق العائد على السندات مرتفعة المخاطر في الاتساع.
وبذلك لم يعد ارتفاع عوائد السندات الحكومية ظاهرة معزولة، بل أصبح عاملًا ينعكس تدريجيًا على تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والدول الأكثر تعرضًا لتغيرات أسعار الفائدة.
برزت منطقة اليورو باعتبارها إحدى أكثر الساحات التي تظهر فيها هذه التحولات، مع اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 150 نقطة أساس خلال الأسبوع الماضي.
ويعكس هذا التطور تنامي تركيز المستثمرين على أوضاع المالية العامة للدول الأوروبية، خصوصًا عندما تتراجع ظروف السيولة العالمية التي كانت توفر قدرًا أكبر من الحماية أمام ارتفاع المخاطر.
في المقابل، حافظت أسواق الأسهم على قدر ملحوظ من التماسك، مستفيدة من بيانات أميركية عززت الرهانات على تباطؤ اقتصادي دون دخول الاقتصاد في مرحلة ركود حاد.
وساهمت بيانات التضخم ومؤشرات سوق العمل، إلى جانب تباطؤ نمو الأجور وارتفاع معدل البطالة، في تعزيز توقعات المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يصبح أقل ميلًا إلى مواصلة التشديد النقدي.
وانعكس ذلك بصورة مباشرة على أسهم التكنولوجيا، التي دفعت مؤشر ناسداك إلى تسجيل مستوى قياسي جديد.
شهدت توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأميركية تحولًا سريعًا خلال الأسبوع. فبعد أن كانت الأسواق تسعّر احتمالًا مرتفعًا لرفع أسعار الفائدة في أكتوبر، تراجع الاحتمال الضمني بشكل حاد إلى نحو 23% بحلول نهاية الأسبوع.
كما انخفضت احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر من مستويات قاربت اليقين إلى نحو 86%، في ظل إعادة تقييم المستثمرين للبيانات الاقتصادية وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
وساهم ضعف مؤشر مديري المشتريات الصناعي ISM في دعم هذا التحول، رغم استمرار ارتفاع مكون الأسعار المدفوعة، وهو ما أبقى مخاطر التضخم حاضرة في حسابات صناع السياسة.
تكشف البيانات الأخيرة عن تباين بين مؤشرات الثقة والمسوح الاقتصادية من جهة، والبيانات الفعلية المتعلقة بالنشاط الاقتصادي من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي تعكس فيه مؤشرات ثقة المستهلكين تزايد المخاوف بشأن المستقبل، لا تزال مؤشرات الإنتاج والاستهلاك تظهر قدرًا من الصمود. وفي أوروبا والصين، تحسنت مؤشرات مديري المشتريات، بينما أثارت بيانات التضخم الأوروبية بعض المخاوف بشأن مسار الأسعار.
واصلت أسواق الطاقة التأثر بالتوترات الجيوسياسية، خصوصًا التطورات المرتبطة بإمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
وتشير التقديرات إلى أن تدفقات النفط الخام عبر المضيق عادت إلى أكثر من 90% من مستويات ما قبل الحرب، بينما لا تزال تدفقات الديزل عند مستويات أدنى بكثير، تُقدّر بنحو 50%.
ومع استمرار ارتفاع أسعار المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل، اتجهت الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع إلى تنسيق عملية إفراج كبيرة من الاحتياطيات الاستراتيجية تصل إلى 100 مليون برميل من النفط الخام ومنتجات الطاقة.
وتعكس هذه الخطوة محاولة لتخفيف الضغوط على أسواق الطاقة، بالتزامن مع اقتراب موسم الشتاء في نصف الكرة الشمالي وما يصاحبه عادة من ارتفاع في الطلب.
امتدت حالة عدم اليقين أيضًا إلى سوق الطروحات العامة، حيث اتجهت بعض شركات التكنولوجيا إلى تأجيل خططها للإدراج في البورصات انتظارًا لتحسن ظروف التمويل واستقرار أسعار الفائدة.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه أوبن إيه آي تأجيل خطتها للطرح العام الأولي إلى العام المقبل، واصلت أنثروبيك التحرك نحو تنفيذ خطتها، بينما فضلت شركات أخرى الانتظار إلى حين تراجع تقلبات الأسواق.
ينتظر المستثمرون خلال الأسبوع المقبل مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي قد تساعد في تحديد الاتجاه المقبل للأسواق، وفي مقدمتها بيانات قطاع الخدمات الأميركي.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بعد ضعف القطاع الصناعي، إذ إن استمرار قوة الخدمات قد يعيد الضغط على توقعات أسعار الفائدة، في وقت تستعد فيه الأسواق لاستقبال بيانات التضخم الأميركية المقبلة.
كما يترقب المستثمرون محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي عقد في سبتمبر، والذي سيقدم تفاصيل إضافية حول النقاشات التي سبقت قرار رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
وستتركز الأنظار على موقف أعضاء اللجنة من استمرار التشديد النقدي، والعوامل التي قد تدفعهم إلى التوقف أو مواصلة رفع أسعار الفائدة.
يتزامن ذلك مع استعداد الأسواق لاجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب صدور فصول تحليلية جديدة من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.
كما تتضمن أجندة الأسبوع بيانات التجارة الأميركية، وتوقعات التضخم، وطلبات إعانات البطالة وثقة المستهلك، إلى جانب مؤشرات اقتصادية من منطقة اليورو واليابان وبريطانيا.
وفي الأسواق الناشئة، تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى تطورات الانتخابات الرئاسية في البرازيل، في ظل تقارب نتائج الجولة الأولى.
وبذلك تدخل الأسواق العالمية مرحلة دقيقة تتزامن فيها قوة أسهم التكنولوجيا مع تصاعد الضغوط في أسواق السندات، ما يجعل مسار أسعار الفائدة والتضخم والديون السيادية عوامل حاسمة في تحديد اتجاه المستثمرين خلال الفترة المقبلة.




