أسواق العالم تحت ضغط الحرب والنفط مع تصاعد مخاطر التضخم وتشديد السياسة النقدية

دخلت الأسواق العالمية في موجة جديدة من الاضطرابات مع تصاعد المخاوف بشأن عودة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت أدى فيه ارتفاع أسعار النفط إلى تجدد القلق من موجة تضخمية قد تعرقل توجهات البنوك المركزية نحو خفض أسعار الفائدة.
وتعرضت أسواق السندات لضغوط قوية خلال ثاني جلسات الأسبوع، بالتزامن مع ارتفاع عوائد الديون السيادية، بينما امتدت حالة عدم اليقين إلى الأسهم العالمية، ولا سيما شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، التي أصبحت أكثر حساسية لأي تغير في تكلفة الاقتراض وتمويل الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي الولايات المتحدة، أنهت وول ستريت تعاملات الثلاثاء على تراجع للجلسة الثالثة على التوالي، متأثرة بخسائر قطاع الرقائق. ويخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة مجدداً في حال تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران إلى زيادة تكلفة تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، ما قد يضغط على دورة الإنفاق الضخمة التي شهدها القطاع خلال الفترة الماضية.
وانتقلت موجة القلق إلى الأسواق الأوروبية، حيث تراجعت الأسهم بالتزامن مع صعود عوائد السندات الحكومية، في ظل تشدد المواقف الصادرة عن الولايات المتحدة وإيران عقب انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، ما عزز المخاوف من اتساع نطاق التوترات الجيوسياسية.
وفي آسيا، أنهى مؤشر نيكي 225 في بورصة طوكيو سلسلة مكاسب امتدت لخمس جلسات، متأثراً بموجة بيع في أسهم التكنولوجيا. كما تعرضت أسواق الأسهم الصينية لضغوط، في حين تراجعت أسهم وعملات عدد من الاقتصادات الناشئة وسط تنامي الإقبال على الأصول الأكثر أماناً.
وشهدت أسواق الديون العالمية تحركات حادة، بعدما صعدت عوائد السندات طويلة الأجل في ألمانيا وفرنسا إلى مستويات لم تشهدها منذ عدة عقود، بينما اقتربت عوائد السندات اليابانية من مستويات قياسية.
وفي الولايات المتحدة، ارتفع العائد على السندات الحكومية القياسية إلى أعلى مستوى له منذ بداية عام 2025، قبل أن يتراجع عند نهاية جلسة التداول.
ويعكس صعود العوائد تنامي مخاوف المستثمرين من استمرار التضخم العالمي، بالتزامن مع التساؤلات حول قدرة الحكومات على تحمل أعباء الديون المرتفعة في حال اضطرار البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية أكثر تشدداً لفترة أطول.
وفي ألمانيا، اتجهت الحكومة إلى طرح سندات بعوائد تُعد الأعلى في نحو 15 عاماً، في مؤشر إضافي على ارتفاع تكلفة الاقتراض السيادي في الأسواق.
وزادت التطورات في سوق الطاقة من حدة الضغوط، بعدما ارتفعت أسعار النفط للجلسة الثالثة على التوالي عقب إعلان البحرية البريطانية تعرض سفينة لإصابة بمقذوف مجهول في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
وفي المقابل، ربطت إيران استئناف حركة الملاحة عبر المضيق بتنفيذ الولايات المتحدة شروط مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها في يونيو، ما أبقى المخاوف بشأن إمدادات النفط والوقود العالمية قائمة.
وامتدت حالة التوتر إلى أسواق المعادن والأصول البديلة، حيث تراجعت أسعار الذهب والفضة، بينما شهدت العملات المشفرة انخفاضاً أولياً قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها في الساعات الأولى من الأربعاء، عقب مقترح من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية يقضي بإعفاء بعض عمليات طرح الأصول الرقمية من متطلبات تنظيمية لفترة مؤقتة.
وتزايدت الضبابية السياسية بعد انتهاء المهلة المحددة للتفاوض بموجب مذكرة التفاهم في بداية الأسبوع، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم وجود مفاوضات حالية أو مخطط لإجراء محادثات مع إيران.
من جانبها، أكدت طهران أنها لا تبحث عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وأن موقفها يتركز على إنهاء الحرب، ما قلص آمال المستثمرين في التوصل سريعاً إلى تسوية تخفف التوترات في المنطقة.
ومع تراجع فرص التهدئة، ارتفعت علاوة تكرير الديزل في الولايات المتحدة إلى قرابة 100 دولار للبرميل فوق سعر خام نايمكس، في ظل انخفاض حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى مستويات متدنية للغاية، بالتزامن مع استمرار الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية.
وتضع هذه التطورات الأسواق العالمية أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ يجتمع خطر تصاعد الصراع الجيوسياسي مع ارتفاع أسعار الطاقة وعوائد السندات، وهي عوامل قد تعيد التضخم إلى دائرة الاهتمام وتزيد صعوبة مهمة البنوك المركزية في تحديد المسار المناسب لأسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.




