أزمة اليد العاملة تتسع في المغرب.. النسيج والفلاحة أمام اختبار صعب

تواجه مجموعة من القطاعات الإنتاجية في المغرب تحولات متسارعة في سوق الشغل، بعدما أصبحت المقاولات تجد صعوبة متزايدة في تأمين العمال الضروريين لضمان استمرارية الإنتاج والاستجابة للطلب، في وقت تتغير فيه اختيارات الباحثين عن العمل وتتبدل أولوياتهم المهنية.
ويبدو قطاعا النسيج والفلاحة من أكثر المجالات تأثرًا بهذه التحولات، بالنظر إلى اعتمادهما الكبير على العمالة، سواء لتلبية الطلبيات الصناعية في آجال محددة أو لتغطية حاجيات الضيعات خلال فترات الإنتاج والجني.
وفي مدينة طنجة، برزت هذه الإشكالية بشكل خاص داخل عدد من وحدات صناعة النسيج، التي تجد نفسها أمام حاجة إلى تعزيز أعداد العمال خلال فترات ارتفاع الطلبيات، وهو ما دفع بعض المصانع إلى اعتماد صيغ أكثر مرونة، من بينها العمل حسب القطعة، المعروف محليًا بـ«العطش» أو «الكونتا».
وتسمح هذه الطريقة للمقاولات بتعبئة العمال بسرعة عندما يرتفع حجم الإنتاج، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول مدى استقرار هذه الفئة من العمال، وظروف اشتغالها، ومستوى استفادتها من التصريح والحماية الاجتماعية، فضلًا عن قدرة المصانع على الاحتفاظ بالكفاءات التي اكتسبت خبرة داخل القطاع.
وتزداد حساسية المشكلة في قطاع النسيج بسبب ارتباط جزء مهم من نشاطه بالطلبيات الخارجية، خصوصًا من الأسواق الأوروبية. فالتقلبات التي تعرفها هذه الأسواق تجعل الشركات مطالبة أحيانًا برفع الإنتاج خلال فترات قصيرة، قبل أن تواجه مراحل من الهدوء أو انخفاض الطلب، الأمر الذي يعقد عملية التخطيط للموارد البشرية ويجعل بعض المقاولات مترددة في توسيع التوظيف الدائم.
وفي المقابل، أصبح العمال أكثر ميلاً إلى مقارنة الفرص المتاحة أمامهم، سواء من حيث مستوى الأجور أو مرونة العمل أو الاستقرار، ما يفسر انتقال بعض اليد العاملة بين المقاولات والقطاعات بحثًا عن ظروف أكثر ملاءمة.
أما القطاع الفلاحي، فيواجه بدوره تحديات مرتبطة بتوفير العمال، خاصة خلال مواسم الحصاد والقطاف، حيث يرتفع الطلب على اليد العاملة الموسمية في وقت محدود. وتؤدي المنافسة بين المناطق الفلاحية إلى صعوبة أكبر في استقطاب العمال، بينما يفضل عدد من الشباب التوجه نحو المدن أو اختيار مجالات مهنية أخرى توفر دخلًا أكثر انتظامًا ومسارًا وظيفيًا أوضح.
وتتداخل في هذه الظاهرة مجموعة من العوامل، من بينها الهجرة من المناطق القروية نحو المدن، وتغير تطلعات الأجيال الجديدة، إضافة إلى طبيعة بعض الأعمال الفلاحية التي تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا ولا توفر دائمًا مستوى الاستقرار نفسه الذي يبحث عنه جزء من الباحثين عن العمل.
وتكشف هذه التطورات عن إحدى أبرز مفارقات سوق الشغل المغربي، إذ يستمر ارتفاع معدلات البطالة في بعض الفئات، خصوصًا الشباب، بالتزامن مع وجود قطاعات اقتصادية تشكو من صعوبة العثور على العمال المناسبين.
وتشير هذه المفارقة إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بعدد المناصب المتاحة أو بعدد الأشخاص الباحثين عن العمل، وإنما أيضًا بمدى تطابق المهارات مع حاجيات المقاولات، وبالفوارق المرتبطة بالأجور وظروف العمل والاستقرار المهني.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه الشركات إلى عمال مؤهلين ومستعدين للاستمرار والإنتاج وفق متطلبات محددة، يبحث العمال بدورهم عن وظائف تمنحهم دخلًا مناسبًا وظروف اشتغال أفضل وضمانات اجتماعية ومسارًا مهنيًا أكثر استقرارًا.
وأمام استمرار هذه الإشكالات، يبرز خيار إعادة النظر في طرق تدبير سوق الشغل، عبر تعزيز التكوين المهني وربطه بشكل مباشر بحاجيات القطاعات التي تعاني نقصًا في الموارد البشرية، إلى جانب تحسين ظروف العمل ورفع جاذبية المهن التي أصبحت تواجه صعوبة في استقطاب الشباب.
كما أن تنظيم العمل الموسمي يمثل جانبًا مهمًا من الحل، خصوصًا في الفلاحة، من خلال إيجاد آليات تضمن للمقاولات المرونة التي تحتاجها خلال فترات الذروة، وفي الوقت ذاته توفر للعمال حماية اجتماعية وشروط اشتغال أكثر وضوحًا.
ولا تقتصر تداعيات نقص اليد العاملة على المقاولات والعمال فقط، بل يمكن أن تمتد إلى الإنتاج والاستثمار والتنافسية، خاصة إذا أصبحت الشركات غير قادرة على الوفاء بالطلبيات أو توسيع أنشطتها بسبب محدودية الموارد البشرية.
وبالتالي، فإن مستقبل سوق الشغل في المغرب لا يرتبط فقط بخلق وظائف جديدة، وإنما أيضًا بقدرة الاقتصاد على جعل الوظائف المتاحة أكثر جاذبية، وتوفير المهارات التي تحتاجها القطاعات الإنتاجية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين احتياجات المقاولات وانتظارات العمال.




