الاقتصادية

أرباح براقة وديون ثقيلة.. كيف يمكن لمؤشرات الشركات أن تخدع المستثمرين

قد تبدو بعض الشركات أكثر قوة مما هي عليه فعلياً عندما يكتفي المستثمر بقراءة المؤشرات التي تبرزها إداراتها في تقارير النتائج المالية.

فارتفاع الأرباح التشغيلية وتحسن هوامش النشاط قد يوحيان بأن الشركة تسير في اتجاه إيجابي، بينما تكشف قراءة أوسع للقوائم المالية عن أعباء كبيرة مرتبطة بالديون والاستثمارات والإهلاك.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع تنافس الشركات المدرجة على تقديم أفضل صورة ممكنة عن أدائها أمام المساهمين والأسواق. ومن بين المؤشرات التي تحظى باهتمام واسع الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (EBITDA)، باعتبارها مقياساً للأداء التشغيلي قبل احتساب مجموعة من المصروفات.

غير أن الاعتماد على هذا المؤشر بشكل منفرد قد يقود إلى استنتاجات خاطئة، خصوصاً عندما تكون الشركة ذات مديونية مرتفعة أو تعتمد على أصول ومعدات تحتاج إلى استثمارات مستمرة.

في الأصل، صُمم مؤشر EBITDA لمساعدة المحللين على مقارنة أداء الأنشطة التشغيلية بين الشركات بعيداً عن تأثيرات الضرائب وهيكل التمويل وبعض البنود المحاسبية. لكن المشكلة تظهر عندما يتم تقديمه باعتباره مرادفاً للربح الحقيقي.

فالمؤشر لا يأخذ في الحسبان فوائد القروض أو الضرائب أو تكلفة الإهلاك والاستهلاك، وهي مصروفات يمكن أن يكون لها تأثير مباشر وكبير على النتيجة النهائية التي يحصل عليها المساهم.

وتبرز أهمية الإهلاك بشكل خاص في الشركات التي تعتمد على المصانع والمعدات وشبكات البنية التحتية. فالأصل الذي اشترته الشركة وأنفقت عليه أموالاً حقيقية يفقد جزءاً من قيمته مع مرور الوقت، ويحتاج في نهاية المطاف إلى الصيانة أو الاستبدال.

ولهذا السبب، انتقد المستثمر الأمريكي وارن بافيت مراراً الاعتماد المفرط على EBITDA، محذراً من التعامل مع الإهلاك وكأنه تكلفة غير حقيقية يمكن تجاهلها.

وبعبارة أخرى، قد تكون الشركة قادرة على الإعلان عن EBITDA مرتفع، لكنها في الوقت نفسه لا تملك ما يكفي من النقد بعد سداد الفوائد وتمويل استثماراتها الضرورية.

من أكثر التجارب التي تكشف مخاطر الثقة العمياء في الأرقام المعلنة قصة شركة التكنولوجيا المالية الألمانية Wirecard.

فقد نجحت الشركة خلال السنوات التي سبقت انهيارها في بناء صورة قوية داخل قطاع المدفوعات الإلكترونية، مدعومة بنتائج تشغيلية متنامية وتوقعات طموحة بشأن استمرار النمو. وانعكس ذلك على أداء السهم الذي وصل إلى مستويات مرتفعة للغاية، وسط ثقة واسعة من المستثمرين.

لكن تلك الصورة انهارت في عام 2020 عندما ظهرت أزمة ضخمة مرتبطة بأموال قالت الشركة إنها موجودة في حساباتها، قبل أن يتضح أن نحو 1.9 مليار يورو من الأرصدة المعلنة لم تكن موجودة.

وتحولت القضية إلى واحدة من أبرز الفضائح المحاسبية في أوروبا، بينما فقد سهم الشركة معظم قيمته خلال فترة قصيرة وانتهت الشركة إلى الإفلاس.

ورغم أن قضية Wirecard لا يمكن اختزالها في مؤشر EBITDA وحده، فإنها قدمت درساً مهماً للأسواق: الأرباح المعلنة لا تكفي ما لم تدعمها تدفقات نقدية حقيقية وقوائم مالية يمكن التحقق منها.

ويصبح تحليل EBITDA أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالشركات التي تحتاج إلى إنفاق رأسمالي ضخم، وهو ما يظهر بوضوح في قطاعات الاتصالات والطاقة والطيران والتعدين والبنية التحتية.

وتعد Global Crossing إحدى التجارب التاريخية اللافتة في هذا المجال. ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، استفادت الشركة من موجة التفاؤل التي أحاطت بقطاع الاتصالات، وحققت مؤشرات تشغيلية جذابة في الوقت الذي كانت فيه تنفق مليارات الدولارات على بناء شبكات الألياف الضوئية.

لكن حجم الاستثمارات المطلوبة لم يكن ينعكس بالدرجة نفسها في EBITDA، بينما كانت آثاره تظهر في التدفقات النقدية والإهلاك والديون.

ومع اعتماد الشركة على الاقتراض لتمويل توسعها، ارتفعت تكلفة خدمة الدين، وأصبحت الأرباح التشغيلية غير كافية لمواجهة جميع الالتزامات. وانتهى المسار بإعلان الإفلاس عام 2002، وسط ديون ضخمة، في واحدة من أبرز أزمات قطاع الاتصالات في تلك الحقبة.

وتوضح هذه التجربة أن الشركة التي تحتاج باستمرار إلى إنفاق مليارات الدولارات للحفاظ على أصولها لا يمكن تقييمها من خلال الأرباح التشغيلية وحدها.

وتظهر المشكلة نفسها في تجربة Charter Communications، التي كانت تحمل مستويات مرتفعة من الديون نتيجة توسعها وعمليات الاستحواذ وتطوير البنية التحتية.

ورغم قدرة الشركة على تسجيل أرباح تشغيلية كبيرة، فإن جزءاً مهماً من هذه الأرباح كان يذهب إلى خدمة الديون وتغطية تكاليف التمويل، ما جعل الصورة النهائية أكثر تعقيداً من الأرقام التي تظهر عند النظر إلى EBITDA فقط.

ومع تصاعد الضغوط المالية، انعكس ذلك على أداء السهم، ليجد المستثمرون أنفسهم أمام فجوة كبيرة بين قوة المؤشرات التشغيلية وبين الوضع المالي الفعلي للشركة.

وهنا تظهر إحدى أهم قواعد قراءة القوائم المالية: كلما ارتفعت ديون الشركة، أصبح من الخطأ الاعتماد على الأرباح التشغيلية بمعزل عن تكلفة الاقتراض وقدرتها الحقيقية على توليد النقد.

رغم الانتقادات الموجهة إليه، لا يعني ذلك أن EBITDA مؤشر يجب تجاهله بالكامل. فهو يمكن أن يكون أداة مفيدة عندما يستخدم ضمن مجموعة متكاملة من المؤشرات.

فعند مقارنة شركتين تعملان في القطاع نفسه، يمكن أن يساعد المؤشر على قياس الأداء التشغيلي قبل تأثير اختلاف مستويات الضرائب أو هيكل التمويل.

كما يستخدم على نطاق واسع في تقييم الشركات خلال عمليات الاستحواذ، وفي حساب بعض نسب المديونية، وفي تقدير قدرة النشاط الأساسي على توليد الأرباح قبل احتساب بعض البنود.

لكن الخطر يبدأ عندما ينتقل المستثمر من استخدام EBITDA كجزء من التحليل إلى استخدامه كبديل عن التحليل المالي الكامل.

أربعة مؤشرات تكشف الصورة الحقيقية

ولتفادي الوقوع في فخ الأرقام المشرقة، يحتاج المستثمر إلى وضع EBITDA بجانب مجموعة من المؤشرات الأخرى.

أولاً، نسبة الدين إلى EBITDA: تساعد على تقدير حجم المديونية مقارنة بالقدرة التشغيلية للشركة على توليد الأرباح. وكلما ارتفعت النسبة، زادت الحاجة إلى التدقيق في قدرة الشركة على خدمة ديونها.

ثانياً، التدفق النقدي الحر: وهو من أهم المؤشرات التي تكشف مقدار النقد المتبقي بعد تمويل النفقات الرأسمالية الضرورية. فإذا كانت الشركة تسجل EBITDA مرتفعاً لكن تدفقها النقدي الحر ضعيف باستمرار، فإن ذلك يستدعي البحث عن أسباب الفجوة.

ثالثاً، صافي هامش الربح: يعكس النسبة التي تتحول فعلياً من الإيرادات إلى أرباح بعد احتساب مختلف المصروفات، ولذلك يقدم صورة أقرب إلى العائد النهائي للنشاط.

رابعاً، تكلفة خدمة الدين: ارتفاع الفوائد المستحقة يمكن أن يحول الأرباح التشغيلية إلى خسائر صافية، خصوصاً لدى الشركات التي تعتمد بشكل كبير على الاقتراض.

في النهاية، لا يشتري المستثمر رقماً يظهر في أعلى جدول النتائج، بل يشتري حصة في شركة يفترض أن تكون قادرة على تحقيق أرباح وتوليد نقد والحفاظ على قدرتها على النمو وسداد التزاماتها.

ولهذا، فإن EBITDA يمكن أن يكون نقطة بداية جيدة لفهم النشاط التشغيلي، لكنه لا يمثل النهاية. فالحكم الحقيقي على قوة الشركة يتطلب النظر إلى صافي الأرباح والتدفقات النقدية والديون والإنفاق الرأسمالي في صورة واحدة.

وقد تبدو الأرباح التشغيلية كبيرة على الورق، لكن السؤال الأهم يبقى: كم يتبقى فعلياً للشركة بعد دفع الفوائد وتمويل الاستثمارات وسداد جميع الالتزامات؟
ومن هنا تحديداً يبدأ الفرق بين قراءة الأرقام وقراءة الوضع المالي الحقيقي للشركة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى