APEBI تدعو إلى تسريع التحول الرقمي بالمغرب وربط الرقمنة بالإنتاجية والتشغيل

يرى الفاعلون في قطاع التكنولوجيا بالمغرب أن المرحلة المقبلة من التحول الرقمي تتطلب الانتقال من بناء البنية التحتية إلى تحقيق أثر اقتصادي مباشر، خصوصاً على مستوى الإنتاجية وخلق فرص الشغل.
وفي هذا السياق، دعت الفيدرالية المغربية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وترحيل الخدمات APEBI الحكومة المقبلة إلى التعامل مع الرقمنة كرافعة أفقية للتنافسية، معتبرة أن المملكة تتوفر على مقومات تقنية متقدمة، لكنها لم تستثمر بعد كامل إمكاناتها داخل الإدارة والنسيج الإنتاجي.
وجاء موقف الفيدرالية في بلاغ أصدرته بالدار البيضاء بمناسبة تقييم منتصف الطريق لاستراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، حيث قدمت تشخيصاً لوضع الرقمنة بالمملكة، بالتزامن مع الاستعداد لتشكيل الحكومة الجديدة، واقترحت ستة محاور ترى أنها ضرورية لتحويل المكتسبات الرقمية إلى نتائج ملموسة على مستوى الاقتصاد وسوق الشغل.
وبحسب تقديرات البنك الدولي التي تستند إليها الفيدرالية، فإن معالجة الفجوة القائمة بين توفر البنية التحتية والاستخدام الفعلي للتكنولوجيا يمكن أن ترفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد المغربي بما يتراوح بين 10 و15 في المائة.
وتقر APEBI في تقييمها بالتطور الذي حققه المغرب خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى استمرار المملكة في تصدر إفريقيا في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مع بلوغ نسبة الولوج إلى الإنترنت 92.2 في المائة.
كما يحتل المغرب المرتبة الثانية إفريقيا وعلى مستوى العالم العربي وفق تقرير Business Ready الصادر عن البنك الدولي، فيما جاء في المرتبة 43 عالمياً ضمن مؤشر National Cyber Security Index.
وعلى مستوى الخدمات العمومية الرقمية، توفر البوابة الوطنية حالياً أكثر من 600 خدمة إلكترونية، في حين ارتقى المغرب بـ21 مرتبة في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية بين عامي 2022 و2024.
وتعتبر الفيدرالية أن هذه المؤشرات تعكس حجم الجهود العمومية المبذولة في مجال الرقمنة، مؤكدة دعم القطاع لهذه الدينامية، لكنها ترى في المقابل أن المرحلة المقبلة تفرض التركيز على الاستخدام الفعلي للتكنولوجيا وتأثيرها في أداء المؤسسات والمقاولات.
وتكشف مكونات مؤشر الأمم المتحدة، وفق تحليل APEBI، عن تفاوت واضح بين مستوى البنية التحتية الرقمية ومدى تحول الخدمات والإدارة إلى نماذج رقمية متكاملة.
فقد سجل المغرب 0.883 نقطة في مكون البنية التحتية للاتصالات، مقابل 0.562 في الخدمات العمومية عبر الإنترنت و0.608 في الرأسمال البشري.
وتعتبر الفيدرالية أن هذه الأرقام تعكس انتقال التحدي من مسألة توفير البنية التحتية والولوج إلى التكنولوجيا إلى قضايا أكثر ارتباطاً بتكامل الأنظمة، وتبادل البيانات بين الإدارات، واعتماد الهوية الرقمية، فضلاً عن رقمنة المسارات الإدارية بشكل كامل من البداية إلى النهاية.
وفي هذا الإطار، ترى APEBI أن القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر الإدارية يمكن أن يشكل إحدى الأدوات الأساسية لتسريع التحول، خصوصاً بعدما ساهمت تطبيقاته الأولى في خفض عدد الوثائق المطلوبة بنسبة 45 في المائة.
غير أن الفيدرالية تعتبر أن القانون، الذي صدر سنة 2020، يحتاج إلى تحيين لمواكبة التطورات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وتطور الهوية الرقمية، وسيادة البيانات، والفوترة الإلكترونية.
ولا تخفي الفيدرالية قلقها من مستوى اعتماد التكنولوجيا داخل النسيج المقاولاتي، خصوصاً لدى المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
وتشير إلى دراسات للبنك الدولي منشورة في أبريل 2026 تفيد بأن أقل من مقاولة مغربية واحدة من كل خمس تستخدم التقنيات الرقمية المتقدمة بشكل مكثف ومندمج، بما يشمل برمجيات التدبير وأنظمة ERP وCRM والتجارة الإلكترونية.
وبذلك، فإن أكثر من 80 في المائة من المقاولات المغربية لم تنتقل بعد إلى مرحلة الاستخدام التحويلي للتكنولوجيا، في وقت تمثل فيه المقاولات التي يقل عدد العاملين بها عن عشرة أشخاص حوالي 97 في المائة من المقاولات غير الفلاحية الهادفة للربح، وتوفر ما يقارب 54 في المائة من فرص الشغل.
وترى APEBI أن هذه المعطيات تجعل من رقمنة المقاولات الصغيرة أحد أكبر مصادر الرفع من الإنتاجية غير المستغلة، مستندة إلى مؤشرات تظهر إمكانية تحقيق زيادة تصل إلى 70 في المائة في إنتاجية بعض الوظائف الإدارية وتخطيط الإنتاج بعد رقمنتها.
كما يمكن أن ترتفع الفعالية بنسبة تصل إلى 50 في المائة في مجالات سلسلة الإمداد ومراقبة الجودة، بينما تسجل المقاولات التي تعتمد التكنولوجيا الرقمية بكثافة نمواً في التشغيل بنسبة 10 في المائة ومتوسط أجور أعلى بـ27 في المائة.
وتضع الفيدرالية مسألة الحكامة في صلب رؤيتها للمرحلة المقبلة، معتبرة أن إشراك القطاع التكنولوجي الخاص في تحديد وتنفيذ الأوراش الرقمية الاستراتيجية ظل محدوداً خلال الولاية السابقة.
وتقترح APEBI اعتماد نموذج يقوم على ما تسميه «التحول المشترك»، من خلال إرساء آليات دائمة تجمع القطاعين العام والخاص، إلى جانب اعتماد تعاقدات متعددة السنوات تقوم على أهداف واضحة وقابلة للتقييم.
وترى الفيدرالية أن إشراك الشركات التكنولوجية الوطنية في مراحل التصميم والتنفيذ والتقييم يمكن أن يساهم في تسريع المشاريع الرقمية وضمان ملاءمتها مع الاحتياجات العملية للإدارة والاقتصاد.
وفي إطار تصورها للمرحلة المقبلة، تقترح APEBI إدراج الرقمنة ضمن البرنامج الحكومي باعتبارها رافعة مشتركة لمختلف القطاعات، وليس مجرد ملف قطاعي منفصل.
وتتمحور أولوياتها الست حول إرساء حكامة للتحول المشترك، وتحيين الإطار القانوني بدءاً بالقانون 55.19، واستكمال رقمنة الإدارة وتعميم الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني، وإطلاق سياسة عمومية مخصصة لرقمنة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري الرقمي، ثم دعم الشركات التكنولوجية الوطنية لتوسيع نشاطها والولوج إلى الأسواق الخارجية.
وترى الفيدرالية أن تطوير الطلب العمومي الرقمي بشكل أكثر إنصافاً، إلى جانب دعم التصدير، يمكن أن يمنح الفاعلين التكنولوجيين المغاربة فرصة للانتقال إلى مستويات أكبر من النمو والمنافسة.
وفي ختام البلاغ، شدد رئيس APEBI، رشيد الرساني، على أن المغرب قطع شوطاً مهماً في بناء بنيته التحتية الرقمية، غير أن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذه المكتسبات إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
وأكد أن الفارق بين إدارة تضع خدماتها على الإنترنت وإدارة رقمية متكاملة، وبين مقاولة تستخدم الحاسوب ومقاولة تجعل التكنولوجيا جزءاً من مختلف عملياتها، ينعكس مباشرة على الإنتاجية وفرص الشغل، مشيراً إلى استعداد القطاع التكنولوجي الوطني للمساهمة في المرحلة المقبلة إلى جانب السلطات العمومية.




