المغرب يطلق منظومة جديدة للتدخل المبكر وحل أزمات البنوك

دخل المغرب، ابتداءً من فاتح شتنبر، مرحلة جديدة في تنظيم التعامل مع الأزمات التي قد تواجه مؤسسات الائتمان، مع بدء سريان مقتضيات القانون رقم 87.21 المتعلق بتدبير صعوبات مؤسسات الائتمان، بعد نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 10 غشت الماضي.
ويأتي هذا الإطار التشريعي لتعزيز المنظومة الاحترازية للقطاع البنكي، من خلال الانتقال من الاكتفاء بالتدخل عند تفاقم الأزمات إلى اعتماد مقاربة تقوم على الوقاية والاستعداد والتدخل المبكر، مع وضع آليات واضحة لمعالجة المؤسسات التي قد تصل إلى وضعية تهدد استقرارها المالي.
ويستهدف القانون، في جوهره، الحد من تداعيات الأزمات البنكية على النظام المالي، مع ضمان استمرار الخدمات والوظائف الأساسية للمؤسسات الائتمانية وحماية مصالح المودعين.
ويرتكز النظام الجديد على الاستعداد المسبق للأزمات، إذ تعتمد المؤسسات الائتمانية المعنية خططاً للتعافي تهدف إلى تحديد الإجراءات التي يمكن تفعيلها في حال تعرض وضعيتها المالية لضغوط أو صدمات قوية.
وتندرج هذه الخطط ضمن الإطار الرقابي الذي يضعه بنك المغرب، وتتضمن مجموعة من التدابير التي يمكن للمؤسسة اللجوء إليها بهدف استعادة توازنها المالي، إلى جانب مؤشرات تحدد متى يصبح من الضروري الانتقال إلى إجراءات التعافي.
ولا تقتصر هذه الآلية على التعامل مع أزمة قائمة، بل تعتمد أيضاً على سيناريوهات افتراضية لصدمات محتملة، بما يسمح للمؤسسات باختبار قدرتها على الصمود وتحديد مكامن الضعف قبل أن تتحول إلى مخاطر فعلية.
وبذلك، يصبح التخطيط المسبق جزءاً من منظومة تدبير المخاطر، بدلاً من انتظار وصول المؤسسة إلى مرحلة يصعب فيها احتواء الاختلالات.
وفي حال تجاوز الصعوبات مرحلة يمكن معالجتها من خلال خطط التعافي، يضع القانون إطاراً خاصاً للتعامل مع المؤسسات التي تصبح في وضعية تستدعي تدخلاً أوسع.
ولهذا الغرض، ينص القانون على إحداث هيئة للحل يرأسها والي بنك المغرب، وتناط بها الصلاحيات القانونية اللازمة للتدخل في المؤسسات التي تستوفي الشروط المحددة للاستفادة من إجراءات الحل.
وتتمثل مهمة هذه الآلية في معالجة وضعية المؤسسة المتعثرة بطريقة منظمة، مع مراعاة هدفين أساسيين يتمثلان في الحفاظ على الاستقرار المالي وضمان استمرار الوظائف والخدمات الأساسية التي تقدمها المؤسسة.
ويمنح الإطار الجديد هيئة الحل مجموعة من الخيارات، من بينها إمكانية نقل بعض الأنشطة أو الأصول والخصوم إلى جهة أخرى، أو إنشاء مؤسسة انتقالية تتولى مواصلة بعض الوظائف الأساسية، بحسب طبيعة الأزمة والأهداف المحددة لعملية الحل.
ومن بين الجوانب المهمة التي ينظمها القانون تحديد كيفية توزيع الخسائر عند اللجوء إلى إجراءات الحل.
ويضع الإطار التشريعي قواعد تهدف إلى ترتيب تحمل الخسائر، مع التأكيد على مبدأ يقضي بألا يتحمل المساهمون والدائنون خسائر تفوق ما كان يمكن أن يتحملوه في حالة تصفية المؤسسة وفق القواعد المعمول بها.
ويعكس هذا المبدأ رغبة المشرع في إيجاد توازن بين حماية الاستقرار المالي وتوزيع تبعات تعثر المؤسسة بشكل منظم، بعيداً عن حلول قد تؤدي إلى اضطرابات أوسع في القطاع البنكي.
ويولي القانون الجديد أهمية خاصة لمصالح المودعين، من خلال التمييز بين الودائع التي تدخل ضمن نطاق نظام ضمان الودائع وبين مختلف الالتزامات الأخرى للمؤسسة الائتمانية.
ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان حماية الودائع المشمولة بالضمان، إلى جانب الحفاظ قدر الإمكان على استمرارية الخدمات البنكية الأساسية في الحالات التي تستدعي إخضاع مؤسسة لإجراءات الحل.
كما يحدد القانون الإطار الذي يمكن من خلاله لنظام ضمان الودائع التدخل في بعض حالات تعثر المؤسسات الائتمانية، وفق الشروط والحدود التي يحددها التشريع.
ويعكس دخول هذه المقتضيات حيز التطبيق توجهاً نحو بناء منظومة أكثر استعداداً للتعامل مع الأزمات البنكية، عبر الجمع بين التخطيط الوقائي وخطط التعافي والتدخل المبكر، وصولاً إلى آليات الحل المنظم عند بلوغ المؤسسة مرحلة حرجة.
وبذلك، يسعى المغرب إلى تعزيز قدرة نظامه البنكي على امتصاص الصدمات، مع تقليص مخاطر انتقال تعثر مؤسسة واحدة إلى باقي مكونات القطاع، والحفاظ في الوقت نفسه على ثقة المودعين واستمرارية الخدمات المالية الأساسية.




