النحاس يتراجع بعد تسجيل مستويات قياسية وسط اضطراب تدفقات المعدن إلى الأسواق الأميركية

شهدت سوق النحاس العالمية تقلبات حادة مع انتقال المعدن بين مستويات قياسية مرتفعة وتصحيح محدود، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الأميركية واحتمالات فرض رسوم جمركية جديدة على واردات النحاس.
وكان النحاس قد سجل الثلاثاء مستوى قياسيًا جديدًا في بورصة كومكس الأميركية، كما اقترب في لندن من أعلى سعر تاريخي له، قبل أن يتراجع في تعاملات اليوم مع استمرار تدفق كميات كبيرة من المعدن نحو الولايات المتحدة، بحثًا عن الاستفادة من أي رسوم محتملة قد تفرضها واشنطن مستقبلًا.
وصعد عقد النحاس لشهر سبتمبر في «كومكس» خلال جلسة الثلاثاء بنسبة وصلت إلى 1.8%، ليبلغ 6.7270 دولار للرطل، بما يعادل نحو 14,830 دولارًا للطن، متجاوزًا الرقم القياسي السابق البالغ 6.7140 دولار والمسجل في 12 أغسطس.
وفي أحدث التعاملات، ارتفع العقد بنحو 1.6% إلى 6.7125 دولار للرطل، متجاوزًا سعر النحاس في لندن بحوالي 550 دولارًا للطن، بفارق يقارب 4%.
لكن الاتجاه تغير خلال تعاملات اليوم، إذ تراجعت عقود النحاس الأميركية تسليم ديسمبر بنسبة 0.6% إلى 6.66 دولار للرطل عند الساعة 16:08 بتوقيت غرينتش.
ولم تقتصر التحركات القوية على السوق الأميركية، إذ صعد عقد النحاس لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.4% إلى 14,251 دولارًا للطن، بعدما أنهى جلسة الاثنين عند مستوى قياسي بلغ 14,201 دولار.
وخلال الجلسة، ارتفع السعر إلى 14,343 دولارًا للطن، ليصبح على مسافة 1.3% فقط من أعلى مستوى تاريخي سجله المعدن عند 14,527.50 دولار في يناير.
وتعكس هذه المستويات قوة الطلب على النحاس، لكن في الوقت نفسه تكشف عن تشوهات متزايدة في تدفقات المعدن بين المراكز التجارية الرئيسية، بفعل المخاوف المرتبطة بالسياسة الجمركية الأميركية.
وكان النحاس قد صعد إلى 14,396 دولارًا للطن في 17 أغسطس، وهو أعلى مستوى له منذ نهاية يناير، قبل أن يتراجع مع عودة كميات إضافية من المعدن إلى السوق.
وسجلت المخزونات المسجلة لدى مستودعات بورصة لندن ارتفاعًا بنسبة 74.5% خلال أسبوع واحد، مدفوعة بأحد أكبر تدفقات المعدن اليومية منذ عام 2024.
كما تقلص الفارق بين سعر النحاس النقدي والعقد لأجل ثلاثة أشهر إلى نحو 248 دولارًا للطن، بعدما وصل في وقت سابق من الشهر إلى 434 دولارًا، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات.
إلا أن تدفقات المعدن سرعان ما تحولت مجددًا، بعدما صدرت أوامر بسحب نحو 51,400 طن من مستودعات بورصة لندن يوم الاثنين، ضمن كميات تبلغ حوالي 65,400 طن مخصصة للمغادرة خلال الأيام الأخيرة.
وتتجه هذه الشحنات إلى الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي، حيث ارتفعت مخزونات النحاس في مستودعات «كومكس» لمدة 46 يومًا متتاليًا، لتصل إلى مستوى قياسي يبلغ 675,185 طنًا.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعمل فيه الشركات والمتعاملون على تعزيز مخزونات النحاس داخل الولايات المتحدة تحسبًا لاحتمال فرض رسوم جمركية جديدة.
واستوردت الولايات المتحدة نحو 885 ألف طن من النحاس المكرر خلال النصف الأول من العام، بزيادة 3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يضع وارداتها على مسار قد يقترب من المستوى القياسي المسجل في 2025 عند 1.64 مليون طن.
وتدرس واشنطن حاليًا فرض رسوم تبلغ 15% على النحاس المكرر اعتبارًا من يناير 2027، على أن ترتفع إلى 30% ابتداءً من 2028، وهو ما يدفع بعض المتعاملين إلى تسريع عمليات الشحن والتخزين قبل دخول أي إجراءات جديدة حيز التنفيذ.
وكانت شركة CRU تتوقع في وقت سابق وجود فائض عالمي من النحاس يبلغ نحو 639 ألف طن خلال 2026، إلا أن التطورات الأخيرة دفعتها إلى إعادة تقييم الصورة، مع تحول السوق إلى حالة من التوازن على أفضل تقدير.
وقال روبرت إدواردز، كبير محللي النحاس لدى الشركة، إن استمرار الواردات الأميركية بالمعدلات الحالية قد يجعل السوق العالمية تبدو عمليًا وكأنها تعاني من عجز في الإمدادات.
وفي الاتجاه نفسه، ترى أليس فوكس، المحللة الاستراتيجية لدى «ماكواري»، أن التخلص من الكميات القياسية المتراكمة في مستودعات «كومكس» قد يحتاج إلى عدة سنوات.
أما أميليا فو من «بنك أوف تشاينا إنترناشيونال»، فتتوقع إمكانية تسجيل النحاس مستويات قياسية جديدة خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، في ظل استمرار العوامل الداعمة للأسعار.
وفي المقابل، يرى غاري ناغل، الرئيس التنفيذي لشركة جلينكور، أن حسم الموقف الأميركي بشأن الرسوم الجمركية، بغض النظر عن القرار النهائي، قد يؤدي إلى تهدئة الارتفاعات الحادة التي شهدها النحاس، بعدما أصبح الغموض عاملًا رئيسيًا في تحريك عمليات الشراء والتخزين.
وعلى الرغم من التراجع الأخير، لا يزال النحاس يحقق مكاسب قوية، إذ ارتفع سعره في بورصة «كومكس» بنحو 19% منذ بداية 2026، فيما تبلغ مكاسبه على أساس سنوي نحو 50%.
وتبقى سوق النحاس أمام معادلة معقدة، تجمع بين تدفقات ضخمة نحو الولايات المتحدة وتراكم قياسي للمخزونات هناك، مقابل تقلص المعروض المتاح في الأسواق الأخرى، ما يجعل مسار الأسعار خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بقرار واشنطن بشأن الرسوم وبوتيرة إعادة توزيع المخزونات العالمية.




