الأسهم الأمريكية أمام اختبار التقييمات المرتفعة وطفرة الذكاء الاصطناعي

تدخل سوق الأسهم الأمريكية مرحلة تتزايد فيها علامات الحذر، بعدما تحولت موجة الصعود القوية في شركات التكنولوجيا إلى أحد أبرز محركات المؤشرات الرئيسية. وبينما يواصل المستثمرون ضخ الأموال في الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تتسع التساؤلات بشأن قدرة الأرباح المستقبلية على مواكبة الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم.
ولم يعد الجدل مقتصرًا على أداء شركة أو قطاع بعينه، بل امتد إلى تقييم السوق الأمريكية ككل، خصوصًا مع وصول القيمة السوقية لعمالقة مثل أبل وإنفيديا ومايكروسوفت إلى مستويات ضخمة. وهو ما دفع بعض المحللين إلى استحضار أجواء فيلم “ذا بيج شورت”، الذي تناول مخاطر تجاهل الإشارات التحذيرية في الأسواق عندما يتحول التفاؤل إلى قناعة جماعية.
وتكشف مؤشرات التقييم أن المستثمرين يدفعون حاليًا أسعارًا مرتفعة مقابل الأرباح المستقبلية للشركات الأمريكية. ويتداول مؤشر S&P 500 عند مكرر ربحية مستقبلي يتراوح بين 23 و24 مرة، وهو مستوى يتجاوز بفارق واضح متوسطه التاريخي الممتد لنحو عقدين، والبالغ قرابة 15.7 مرة.
كما تجاوزت نسبة القيمة السوقية لسوق الأسهم الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي مستوى 190%، في إشارة أخرى إلى اتساع الفجوة بين أسعار الأصول وحجم الاقتصاد.
ويُعرف هذا المقياس باسم “مؤشر بافيت”، رغم أن استخدامه منفردًا لا يكفي لتحديد ما إذا كانت الأسهم مبالغًا في قيمتها، خصوصًا أن الشركات الأمريكية الكبرى تحقق جزءًا كبيرًا من إيراداتها خارج الولايات المتحدة.
ورغم ارتفاع مؤشرات التقييم إلى مستويات لافتة، فإن تشبيه الوضع الحالي مباشرة بفقاعة الإنترنت في نهاية التسعينيات قد يكون مضللًا.

فالتركيبة المالية للشركات التي تقود السوق اليوم تختلف بصورة كبيرة عن شركات التكنولوجيا التي تصدرت مشهد المضاربة آنذاك. فعمالقة التكنولوجيا الحاليون يمتلكون أعمالًا راسخة ومصادر إيرادات متنوعة، إلى جانب أرباح ضخمة وتدفقات نقدية قوية.
وتحقق هذه الشركات إيرادات من قطاعات متعددة، تشمل الحوسبة السحابية والإعلانات والبرمجيات والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، ما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة التقلبات الاقتصادية.
لكن قوة الأساسيات المالية لا تلغي مخاطر التقييم المرتفع. فكلما ارتفع السعر الذي يدفعه المستثمر مقابل الأرباح، ازدادت الحاجة إلى تحقيق نمو قوي ومستمر لتبرير هذه الأسعار، وأصبح أي انحراف عن التوقعات أكثر تأثيرًا على حركة السوق.
تقدم قراءة مؤشر شيلر لمكرر الربحية المعدل دوريًا صورة أكثر تشددًا بشأن تقييمات الأسهم الأمريكية. ويعتمد المؤشر على متوسط أرباح الشركات المعدلة وفق التضخم خلال عشر سنوات، بهدف تقليل تأثير التقلبات الدورية.
ويتحرك المؤشر بالقرب من 35 مرة، وهو مستوى لا يظهر عادة إلا في مراحل استثنائية من تاريخ السوق. وكان قد سجل نحو 44.2 مرة خلال ذروة فقاعة الإنترنت في 1999، كما وصل إلى حوالي 38.6 مرة في أواخر 2021 خلال فترة السيولة المرتفعة التي أعقبت جائحة كورونا.
ولا تشير هذه الأرقام إلى أن انهيار السوق أصبح أمرًا حتميًا، لكنها تعكس حجم التفاؤل الذي أصبح مضمنًا في الأسعار الحالية. وبالتالي، فإن الأسواق قد تصبح أكثر تعرضًا للضغوط إذا تعرضت الأرباح لصدمة أو تغيرت توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة.
لم يعد أداء S&P 500 يعكس بصورة متساوية مختلف مكونات الاقتصاد الأمريكي، بعدما أصبحت مجموعة محدودة من الشركات العملاقة صاحبة تأثير متزايد على حركة المؤشر.

وتستحوذ شركات التكنولوجيا الكبرى على جزء كبير من القيمة السوقية للمؤشر، الأمر الذي يعني أن أي تغير حاد في أسهم هذه الشركات يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على السوق بأكملها.
وتبرز ضمن هذه المجموعة شركات مثل أبل ومايكروسوفت وإنفيديا وأمازون وألفابت وميتا وتيسلا، التي استفادت بدرجات متفاوتة من موجة الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وهذا التركيز يمنح المؤشر قوة كبيرة عندما تستمر أسهم التكنولوجيا في الصعود، لكنه في الوقت نفسه يزيد المخاطر إذا تبدلت شهية المستثمرين تجاه هذه الشركات.
يبقى الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي وراء جزء كبير من التفاؤل الحالي في الأسواق.
فالمستثمرون يراهنون على أن الانتشار السريع لهذه التقنيات سيعيد تشكيل قطاعات واسعة من الاقتصاد، ويرفع الإنتاجية ويخلق أسواقًا جديدة ويعزز أرباح الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة لهذه الثورة التكنولوجية.
وتأتي إنفيديا في مقدمة المستفيدين، بعدما ارتفعت مبيعاتها وأرباحها بصورة كبيرة بفضل الطلب الهائل على الرقائق والمعالجات المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، خصصت شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الدولارات لتوسيع مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية الحاسوبية، في سباق يعكس حجم الرهان على استمرار نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي.
لكن هذه الاستثمارات الضخمة تطرح سؤالًا أساسيًا: هل ستتحول الأموال التي تنفقها الشركات على البنية التحتية إلى أرباح بالحجم الذي تتوقعه الأسواق؟
فإذا تمكنت الشركات من تحقيق عوائد مرتفعة من هذه الاستثمارات، فقد تجد التقييمات الحالية دعمًا من نمو الأرباح. أما إذا تباطأ الطلب أو جاءت العوائد أقل من التوقعات، فقد تصبح الأسعار المرتفعة نقطة ضعف بالنسبة للسوق.
رغم المخاوف، لا تزال هناك عوامل قوية تدعم الأسهم الأمريكية، وفي مقدمتها متانة الاقتصاد، وقوة أرباح الشركات الكبرى، واستمرار الإنفاق على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

لكن مسار أسعار الفائدة يظل عنصرًا حاسمًا أيضًا، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يؤدي عادة إلى الضغط على تقييمات الأسهم، خصوصًا الشركات التي تعتمد قيمتها بدرجة كبيرة على الأرباح المتوقعة في المستقبل.
ولهذا، فإن المستثمرين لن يراقبوا الأرباح فقط خلال المرحلة المقبلة، بل سيتابعون كذلك قرارات الاحتياطي الفيدرالي والبيانات الاقتصادية وأي مؤشرات على تغير وتيرة النمو أو التضخم.
وفي المحصلة، لا تبدو المسألة مجرد مفاضلة بين سيناريو “فقاعة” وسيناريو “صعود مستدام”. فالسوق الأمريكية قد تكون في الوقت نفسه مدعومة بأساسيات قوية، لكنها تتحرك أيضًا عند مستويات تجعلها أكثر حساسية لأي خيبة في الأرباح أو تغير في التوقعات.
ومن هنا، يصبح الاختبار الحقيقي أمام الشركات العملاقة هو قدرتها على تحويل الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي إلى نمو فعلي ومستدام في الإيرادات والأرباح. فإذا نجحت في ذلك، فقد تتمكن السوق من تبرير جزء كبير من تقييماتها المرتفعة، أما إذا تباطأ النمو، فقد يجد المستثمرون أنفسهم أمام إعادة تقييم واسعة للأسعار التي ارتفعت سريعًا خلال السنوات الماضية.




