نظام الكربون الأوروبي يعيد رسم خريطة المنافسة بين طنجة المتوسط وموانئ جنوب أوروبا

بدأت قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة لخفض انبعاثات النقل البحري تفرض نفسها كعامل اقتصادي متزايد الأهمية في المنافسة بين الموانئ الواقعة على جانبي مضيق جبل طارق، بعدما أصبحت كلفة الكربون جزءا من الحسابات التي تجريها شركات الملاحة عند تصميم مساراتها واختيار مراكز إعادة الشحن.
وتبرز في هذا السياق مكانة ميناء طنجة المتوسط، الذي يقع خارج الاتحاد الأوروبي وعلى مسافة قريبة من الموانئ الإسبانية، باعتباره أحد المستفيدين المحتملين من التحولات التي قد تفرضها السياسة الأوروبية الجديدة على شبكات النقل البحري.
ولا يتعلق الأمر بضريبة مباشرة على السفن بالمعنى التقليدي، وإنما بنظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، الذي يفرض على شركات الملاحة شراء وتسليم حصص تغطي الانبعاثات الخاضعة للنظام، ما يضيف تكلفة مالية إلى الرحلات البحرية المرتبطة بالموانئ الأوروبية.
ومع دخول سنة 2026، وصلت نسبة الانبعاثات المشمولة بالالتزامات إلى 100 في المائة، بعدما كانت 40 في المائة خلال 2024 و70 في المائة في 2025. كما توسعت التغطية لتشمل انبعاثات الميثان وأكسيد النيتروز إلى جانب ثاني أكسيد الكربون.
أصبح الموقع الجغرافي لطنجة المتوسط أكثر أهمية في ظل هذه التحولات، إذ يتيح للميناء المغربي أداء دور محوري في عمليات إعادة الشحن بين أوروبا وآسيا وإفريقيا والأمريكتين، دون أن يكون موجودا داخل المجال التنظيمي للاتحاد الأوروبي.
ويتمتع الميناء أصلا بمزايا تنافسية راكمها على مدى سنوات، تشمل البنية التحتية، وعمق الأرصفة، والقدرة على استقبال السفن الكبرى، واتساع شبكة الخطوط البحرية، إضافة إلى ارتباطه بمنظومة صناعية ولوجستية متطورة.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير المشار إليه، يعتمد طنجة المتوسط بدرجة كبيرة على نشاط إعادة الشحن، الذي يمثل نحو 97 في المائة من حركة الحاويات بالميناء.
وتشير هذه الخصوصية إلى أن أي تغيير في طريقة توزيع عمليات إعادة الشحن بين الموانئ الأوروبية والموانئ القريبة منها خارج الاتحاد قد تكون له انعكاسات مباشرة على أداء الميناء المغربي.
قبل تطبيق نظام تداول الانبعاثات على النقل البحري، كانت شركات الملاحة تركز أساسا عند اختيار الموانئ على عوامل مثل رسوم المناولة، والقدرة الاستيعابية، والسرعة، والموقع، وكفاءة الخدمات اللوجستية.
أما اليوم، فأصبحت الكلفة البيئية عنصرا إضافيا في المعادلة.
فالرحلات بين ميناءين داخل الاتحاد الأوروبي تخضع لتغطية كاملة للانبعاثات، في حين تخضع الرحلات التي تربط ميناء أوروبيا بآخر خارج الاتحاد لتغطية جزئية. كما تدخل الانبعاثات الناتجة عن وجود السفن داخل الموانئ الأوروبية ضمن النظام.
ومع ارتفاع الالتزامات تدريجيا، تصبح الفاتورة الكربونية أكثر تأثيرا في تكلفة الرحلة، الأمر الذي قد يشجع بعض الشركات على إعادة تقييم شبكاتها البحرية ومساراتها اللوجستية.
ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الموانئ الأوروبية، لكنه يفتح المجال أمام إعادة توزيع بعض عمليات إعادة الشحن عندما تكون الكلفة الإجمالية أكثر ملاءمة في موانئ خارج الاتحاد.
وكان الاتحاد الأوروبي واعيا منذ مرحلة تصميم النظام بمخاطر انتقال بعض عمليات إعادة الشحن إلى موانئ تقع خارج حدوده، وهو ما دفعه إلى وضع قواعد خاصة بالموانئ المجاورة التي تعتمد بدرجة كبيرة على إعادة شحن الحاويات.
ويشمل الإطار الحالي ميناء طنجة المتوسط وميناء شرق بورسعيد في مصر ضمن هذه الفئة.
وتهدف هذه الآلية إلى منع الشركات من التحايل على النظام عبر نقل عمليات الشحن إلى ميناء قريب خارج الاتحاد الأوروبي فقط لتفادي جزء من الالتزامات المرتبطة بالانبعاثات.
وبالتالي، فإن وجود طنجة المتوسط خارج الاتحاد لا يعني تلقائيا إمكانية التخلص من التكلفة الكربونية بمجرد نقل الحاويات إليه، خصوصا أن القواعد الأوروبية تتضمن آليات لرصد هذه العمليات والحد من التحايل.
لكن في المقابل، يمكن لشركات الملاحة إعادة تصميم شبكاتها على نحو يجعل بعض عمليات إعادة الشحن تتم خارج الاتحاد الأوروبي إذا كانت هذه الخيارات أكثر كفاءة من الناحية التجارية واللوجستية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة إلى العلاقة التنافسية بين طنجة المتوسط وميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، اللذين يفصل بينهما مضيق جبل طارق وتربطهما منافسة قوية على حركة الحاويات وإعادة الشحن.
وتشير المعطيات التي أوردها التحليل المتخصص إلى تراجع عمليات إعادة الشحن في الجزيرة الخضراء، مقابل استمرار طنجة المتوسط في الحفاظ على موقع قوي داخل حركة الحاويات العابرة في منطقة غرب المتوسط.
وبحسب البيانات الواردة في التحليل، انخفضت عمليات إعادة الشحن في الجزيرة الخضراء من نحو 5.2 ملايين حاوية نمطية إلى حوالي 4.6 ملايين، بينما بلغت حصة طنجة المتوسط من حركة الدخول إلى موانئ الحوض المتوسطي، وفق مقياس TEU-miles، نحو 37 في المائة في 2026، مقابل 20 في المائة للجزيرة الخضراء.
وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة لم تعد تقوم فقط على القرب الجغرافي، بل أصبحت تشمل أيضا تكلفة الامتثال البيئي وكفاءة شبكات النقل البحرية.
ورغم ذلك، سيكون من المبالغة ربط صعود طنجة المتوسط بنظام الكربون الأوروبي وحده.
فالميناء المغربي عزز موقعه العالمي قبل دخول نظام EU ETS حيز التنفيذ، مستفيدا من استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وموقعه عند ملتقى الطرق البحرية بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، فضلا عن قدرته على استقطاب أكبر شركات النقل البحري.
وخلال 2025، عالج طنجة المتوسط أكثر من 11.1 مليون حاوية نمطية، بزيادة بلغت 8.4 في المائة على أساس سنوي.
كما بلغت حركة البضائع خلال الربع الأول من 2026 نحو 38.8 مليون طن، بارتفاع قدره 3.2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتعكس هذه الأرقام أن قوة الميناء تستند إلى نموذج متكامل يتجاوز مسألة الكلفة الكربونية، وإن كانت هذه الأخيرة تضيف عنصرا جديدا يمكن أن يعزز جاذبيته في بعض المسارات.
في المقابل، لا تبدو بروكسل مستعدة لترك آثار النظام تتطور دون مراجعة.
فالمفوضية الأوروبية تتابع تأثير قواعد EU ETS على شبكات إعادة الشحن، خصوصا استخدام الموانئ المجاورة الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي، مع بحث تعديلات محتملة على القواعد للحد من مخاطر تسرب النشاط والكربون.
وتعني هذه المراجعات أن المزايا التنظيمية التي قد تستفيد منها بعض الموانئ، ومن بينها طنجة المتوسط، يمكن أن تتغير مستقبلا إذا اعتبر الاتحاد الأوروبي أن إعادة توزيع النشاط بلغت مستويات تؤثر في فعالية نظامه البيئي.
وبينما تسعى أوروبا إلى جعل الانبعاثات البحرية أكثر كلفة لدفع شركات الملاحة نحو تبني تقنيات وسفن ووقود أقل تلويثا، قد تنتج عن هذه السياسة آثار جانبية على خريطة المنافسة بين الموانئ.
ويبدو طنجة المتوسط في موقع مناسب للاستفادة من هذه المرحلة، بفضل وجوده خارج الاتحاد الأوروبي وقربه من الأسواق الأوروبية، إلى جانب بنيته التحتية وشبكة خدماته وقدراته الكبيرة في إعادة الشحن.
لكن حجم الاستفادة سيظل مرتبطا بتطور القواعد الأوروبية واستجابة شركات الملاحة لها، فضلا عن قدرة الموانئ المغربية على الحفاظ على تفوقها من حيث الكفاءة والتكلفة والسرعة.




