اقتصاد المغرب

بين أرباح التصدير وندرة المياه.. الأفوكادو يضع الزراعة المغربية أمام معادلة صعبة

أعادت زراعة الأفوكادو في منطقة تيفلت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في القطاع الفلاحي المغربي، بعدما بات التوسع في المحاصيل الموجهة للتصدير يتقاطع بشكل مباشر مع الضغوط المتزايدة على الموارد المائية، خصوصا المياه الجوفية.

وبينما تنظر الاستثمارات الكبرى إلى الأفوكادو باعتباره محصولا ذا قيمة اقتصادية مرتفعة، يجد عدد من صغار الفلاحين أنفسهم أمام واقع مختلف، يتمثل في تراجع مستويات المياه وارتفاع كلفة حفر الآبار وتأمين حاجيات الضيعات من الري.

وتزداد حدة هذا النقاش رغم التحسن الذي عرفته الوضعية المائية خلال 2026، عقب تساقطات مهمة ساهمت في رفع مخزونات السدود وإنهاء سنوات متتالية من الجفاف. غير أن تحسن الموارد السطحية لا يعني بالضرورة تعافي الفرشات الجوفية بالسرعة نفسها، ما يبقي الضغط قائما في عدد من المناطق الزراعية.

وتكشف مزارع الأفوكادو المحيطة بتيفلت عن حجم الاستثمارات التي يمكن أن تخصصها الضيعات الكبرى لضمان استمرار الإنتاج، خاصة عندما يتراجع منسوب المياه الجوفية.

وبحسب معطيات أوردتها صحيفة «لوموند»، تضم إحدى الضيعات التي تمتد على نحو 100 هكتار شبكة مائية واسعة تتكون من 35 بئرا وخمسة خزانات، إلى جانب تجهيزات للري بالتنقيط وأنظمة لتوزيع المياه بين صفوف الأشجار.

وتسمح هذه البنية للضيعة بتكييف كميات الري حسب الفصول، إذ تحصل الأشجار، وفق تصريحات مسؤول بالضيعة نقلتها الصحيفة، على المياه لساعتين يوميا خلال فصل الشتاء وأربع ساعات في الصيف، بمعدل يصل إلى نحو 20 لترا في الساعة.

لكن قدرة المزارع الكبرى على الاستثمار في البنية التحتية المائية لا تتوفر لدى الجميع. فعدد من صغار الفلاحين يعتمدون على آبار تقليدية أصبحت أقل قدرة على توفير المياه، فيما بات الوصول إلى الفرشة المائية في بعض الحالات يتطلب الحفر إلى أعماق تصل إلى 150 مترا.

وتضع هذه التطورات صغار المزارعين أمام خيارات صعبة، تبدأ بتقليص المساحات المزروعة وقد تصل إلى التخلي عن النشاط الزراعي أو بيع الأراضي، في حين يظل العمل داخل الضيعات الكبرى خيارا متاحا لبعض المتضررين.

ويعود جانب من الجدل إلى طبيعة شجرة الأفوكادو نفسها، التي تتطلب كميات مهمة من المياه خلال دورة إنتاجها.

ونقلت «لوموند» عن محمد طاهر السرايري، الأستاذ بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، أن الاحتياجات السنوية للأفوكادو قد تتراوح بين 1600 و1800 مليمتر من المياه، وهي مستويات تفوق احتياجات عدد من الزراعات الأساسية.

ويؤكد المنتجون أن اعتماد الري بالتنقيط يسمح برفع كفاءة استخدام المياه وتقليص الهدر، معتبرين أن القطاع يساهم في خلق فرص عمل وتحقيق عائدات من التصدير.

غير أن منتقدي التوسع في زراعة الأفوكادو يرون أن كفاءة تقنية الري لا تحسم وحدها مسألة الاستهلاك، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع عدد الأشجار واتساع المساحات المزروعة إلى زيادة إجمالي الطلب على المياه حتى مع اعتماد تجهيزات أكثر فعالية.

وبذلك انتقل النقاش من مجرد البحث عن تقنيات ري أكثر اقتصادا إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى ملاءمة بعض الزراعات التصديرية للموارد المائية المتاحة في المناطق التي تحتضنها.

وشهد قطاع الأفوكادو في المغرب توسعا قويا خلال السنوات الماضية، إذ ارتفع الإنتاج من حوالي 15 ألف طن سنة 2015 إلى نحو 130 ألف طن في 2024، بالتزامن مع وصول المساحات المزروعة إلى قرابة 12 ألف هكتار، خصوصا بالمناطق الممتدة بين العرائش والقنيطرة.

وساعد ارتفاع الطلب الخارجي والعائدات التي يوفرها المحصول على جذب استثمارات جديدة، وتحويل الأفوكادو إلى واحدة من الزراعات التجارية ذات الجاذبية بالنسبة إلى عدد من المستثمرين.

لكن الموسم الزراعي الأخير أظهر في المقابل مدى تأثر القطاع بالتقلبات المناخية والاضطرابات اللوجستية، إذ ظل إنتاج موسم 2025-2026 دون 70 ألف طن، بينما تجاوزت الصادرات 50 ألف طن، وفقا للمعطيات التي أوردتها جمعية الأفوكادو المغربية وموقع «فريش بلازا».

ويربط مهنيون هذا التراجع بتداخل عدة عوامل، من بينها موجات الحرارة والرياح الجافة والفيضانات، فضلا عن الصعوبات التي أثرت في عمليات التصدير.

ويعتبر العاملون في قطاع الأفوكادو أن تقييم المحصول لا ينبغي أن يقتصر على كمية المياه التي يستهلكها، بالنظر إلى مساهمته في النشاط الاقتصادي والتشغيل وتوفير مداخيل بالعملة الصعبة.

كما يشيرون إلى أن جزءا مهما من الإنتاج يتم في مناطق تتوفر على موارد مائية نسبيا، وأن تقنيات الري الحديثة ساهمت في تحسين كفاءة استهلاك المياه.

في المقابل، يركز منتقدون على البعد الاجتماعي للمشكلة، معتبرين أن تراجع الفرشة المائية لا يؤثر على جميع الفلاحين بالطريقة نفسها. فالضيعات الكبرى قادرة على تمويل آبار أعمق وخزانات وأنظمة متطورة، بينما يفتقر صغار المنتجين إلى الموارد اللازمة لمواجهة ارتفاع كلفة المياه.

وتطرح هذه المفارقة سؤالا يتجاوز مستقبل محصول واحد، ليمتد إلى كيفية توزيع الموارد المائية بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

وتأتي أزمة المياه في تيفلت ضمن سياق أوسع عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة، بعدما أدى توالي فترات الجفاف إلى استنزاف جزء من الموارد المائية السطحية والجوفية.

ورغم التحسن الذي سجلته السدود بفضل التساقطات الأخيرة، فإن استعادة الفرشات الجوفية لمستوياتها الطبيعية تحتاج إلى وقت أطول، خصوصا في المناطق التي شهدت عمليات ضخ مكثفة خلال سنوات الجفاف.

وتشير المعطيات المرتبطة بحوض سبو إلى أن النشاط الزراعي يستحوذ على أكثر من 80 في المائة من المياه المسحوبة، في وقت تواجه فيه الفرشة الجوفية بسهل الغرب ضغوطا مستمرة.

وهذا يعني أن ارتفاع التساقطات لا يمثل حلا فوريا لجميع الاختلالات، ما دامت مستويات الاستهلاك تظل مرتفعة وتستمر بعض الزراعات في الاعتماد بكثافة على المياه الجوفية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى