الشبكات الكهربائية المصغرة.. هل تصبح طنجة عاصمة الطاقة الصناعية الذكية في المغرب؟

لم تعد رهانات التحول الطاقي في طنجة تقتصر على توفير الكهرباء من مصادر متجددة، بل بدأت تتجه نحو بناء منظومات قادرة على إنتاج الطاقة وتخزينها وإدارتها داخل المواقع الصناعية نفسها.
ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه الضغوط على الشركات لتقليص تكاليف الطاقة وخفض انبعاثاتها، خصوصا في الصناعات الموجهة إلى الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، تطرح دراسة علمية حديثة نموذجا يمكن أن يمنح المصانع المغربية قدرة أكبر على التحكم في احتياجاتها الكهربائية، من خلال الجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات وأنظمة الإدارة الذكية، ضمن ما يعرف بـالشبكات الكهربائية المصغرة.
ونشرت الدراسة في 13 غشت بمجلة Sustainability، حيث تناولت إمكانات هذه الأنظمة في المغرب، باعتبارها وسيلة لإنتاج الكهرباء بالقرب من مواقع الاستهلاك وتخزين الفائض وإعادة استخدامه وفق حاجيات المنشآت الصناعية.
ويقوم النموذج على ربط مصادر الطاقة المتجددة بالوحدة الصناعية مباشرة، بحيث توجه الكهرباء المنتجة إلى خطوط الإنتاج، بينما يتم تخزين الفائض في البطاريات لاستخدامه لاحقا، خاصة عندما ينخفض إنتاج الطاقة الشمسية أو الريحية أو يرتفع الطلب على الكهرباء.
وتبرز أهمية البطاريات في معالجة أحد التحديات الرئيسية للطاقة المتجددة، والمتمثل في عدم استقرار الإنتاج على مدار اليوم.
فالكهرباء الشمسية تكون متاحة بشكل أكبر خلال ساعات النهار، بينما يرتبط إنتاج طاقة الرياح بالظروف الجوية. وفي المقابل، قد تستمر المصانع في استهلاك الكهرباء بوتيرة مرتفعة خارج فترات ذروة الإنتاج المتجدد.
وهنا يمكن لأنظمة التخزين أن تلعب دورا محوريا، عبر الاحتفاظ بالكهرباء المنتجة خلال فترات الوفرة ثم ضخها عند الحاجة، بما يسمح بتقليل اللجوء إلى الشبكة العامة وتحسين الاستفادة من الطاقة المتجددة المنتجة محليا.
واستندت الدراسة إلى عدد من التجارب والنماذج المنجزة في المغرب، وسجلت إمكانية وصول مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في بعض الأنظمة إلى حوالي 97 في المائة من الكهرباء المنتجة، فيما تراوحت التكلفة التقديرية للكيلوواط ساعة بين 0.038 و0.17 دولار، بحسب مكونات كل نظام وظروف تشغيله.
ورغم أن الدراسة لا تقدم نموذجا خاصا بطنجة، فإن نتائجها تتقاطع مع التحولات الجارية فعليا في القطب الصناعي للمدينة ومحيط طنجة المتوسط، حيث أصبحت الطاقة النظيفة عاملا متزايد الأهمية في قرارات الاستثمار والإنتاج.
ويقدم مصنع رونو بطنجة نموذجا واضحا لهذا الاتجاه، بعدما قطعت المجموعة الفرنسية خطوات مهمة في تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
وأعلنت رونو في يوليوز أن أكثر من 90 في المائة من احتياجات المصنع من الطاقة تتم تغطيتها من مصادر تشمل طاقة الرياح والكتلة الحيوية.
كما أوضحت المجموعة أن منشأة الكتلة الحيوية بالمصنع أنتجت خلال 15 عاما أكثر من مليون ميغاواط ساعة من الطاقة، وساهمت في تفادي انبعاث أكثر من 100 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا.
ويعتمد المصنع على الكهرباء الخضراء القادمة من مزارع الرياح المغربية، بينما يتم استغلال مخلفات عصر الزيتون والخشب المعاد تدويره لتوفير جزء من الحرارة اللازمة للعمليات الصناعية، في نموذج يجمع بين مصادر متعددة للطاقة المتجددة.
ويشهد مركب طنجة المتوسط بدوره تحولا متسارعا نحو الطاقة النظيفة، في إطار استراتيجية تستهدف تقليص البصمة الكربونية للمنظومة المينائية والصناعية.
ومنذ فاتح يناير 2025، أصبح المركب يعتمد على الكهرباء من مصادر خضراء لتغطية كامل احتياجاته الكهربائية، ضمن برنامج استثماري تبلغ قيمته حوالي ملياري درهم ويستهدف تحقيق الحياد الكربوني في أنشطته بحلول 2030.
لكن الاستراتيجية لا تتوقف عند شراء الكهرباء المتجددة، إذ شرع المركب في تطوير قدراته الخاصة على إنتاج الطاقة الشمسية، من خلال تجهيز أسطح منشآته بأنظمة كهروضوئية بقدرة إجمالية تبلغ 1.9 ميغاواط.
كما تشمل المشاريع المبرمجة إنشاء محطات شمسية بقدرة أولية تصل إلى 11 ميغاواط لفائدة الزبناء الصناعيين، إلى جانب مشروع محطة شمسية عائمة بقدرة 13 ميغاواط.
وتزداد أهمية هذه الاستثمارات بالنظر إلى الثقل الاقتصادي لمنصة طنجة المتوسط، التي تضم أكثر من 1500 شركة تنشط في قطاعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية واللوجستيك وغيرها.
وتكشف هذه المشاريع عن تحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين الصناعة والطاقة. فبدلا من أن تظل المصانع مستهلكا للكهرباء القادمة من الشبكة، يمكن أن تصبح مستقبلا وحدات قادرة على إنتاج جزء من احتياجاتها وتخزين الفائض وإدارته بشكل مستقل.
وهذا هو الجانب الذي تضيفه الشبكات المصغرة إلى مشاريع الطاقة المتجددة القائمة، إذ لا تقتصر على تركيب الألواح الشمسية أو شراء الكهرباء الخضراء، بل تجمع بين الإنتاج والتخزين والاستهلاك والتحكم داخل منظومة واحدة.
وبالنسبة للمصانع التي تعتمد على إمداد كهربائي مستقر ومتواصل، يمكن لهذا النموذج أن يوفر مرونة أكبر في إدارة الطاقة، ويقلل تأثير تقلبات الإنتاج المتجدد، كما يساعد على رفع نسبة الكهرباء النظيفة المستخدمة فعليا في العمليات الصناعية.
وتتوفر جهة طنجة تطوان الحسيمة على مؤهلات طبيعية يمكن أن تساعدها على توسيع هذا النوع من المشاريع. ووفقا لمعطيات المركز الجهوي للاستثمار، تضم الجهة خمس مزارع للرياح ومحطة شمسية ومحطتين كهرومائيتين.
كما تستفيد من حوالي 3000 ساعة من أشعة الشمس سنويا، فيما تتجاوز سرعة الرياح سبعة أمتار في الثانية في عدد من المواقع الرئيسية، ما يوفر قاعدة ملائمة لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة الموجهة إلى القطاع الصناعي.
ومع توسع القاعدة الصناعية في المنطقة، تتحول هذه الموارد تدريجيا من مجرد مؤهلات طبيعية إلى عنصر يمكن أن يدخل مباشرة في حسابات تنافسية الشركات وكلفة الإنتاج وجاذبية الاستثمار.
ورغم الإمكانات الكبيرة، فإن الانتقال نحو شبكات كهربائية مصغرة داخل المصانع يواجه عددا من التحديات، في مقدمتها تكلفة البطاريات وأنظمة التخزين، إلى جانب الجوانب التقنية والتنظيمية المرتبطة بالإنتاج الذاتي وعلاقة الوحدات الصناعية بالشبكة الكهربائية الوطنية.
كما يتطلب انتشار هذه الأنظمة استثمارات إضافية في تقنيات التحكم الرقمي وإدارة الأحمال، فضلا عن وضع أطر واضحة تسمح للمصانع بتطوير قدراتها الإنتاجية والتخزينية والاستفادة منها بكفاءة.
وبالنسبة إلى طنجة، قد تمثل هذه المرحلة تطورا طبيعيا للمسار الذي بدأته المنشآت الصناعية والمينائية الكبرى في مجال الطاقة النظيفة. فبعد الانتقال من الكهرباء التقليدية إلى الكهرباء الخضراء، يبدو أن الخطوة التالية قد تكون إنتاج الطاقة وتخزينها وإدارتها داخل المصنع نفسه.
وفي حال اتساع هذا النموذج، يمكن للشبكات الكهربائية المصغرة أن تصبح جزءا من البنية التحتية الصناعية الجديدة في طنجة، وأن تمنح المصانع أداة إضافية لخفض فاتورة الطاقة وتقليص الانبعاثات وتعزيز قدرتها على المنافسة في أسواق عالمية تتجه بشكل متزايد نحو الإنتاج منخفض الكربون.




