اقتصاد المغربالأخبارالشركات

تمويلات الشركات الناشئة بالمغرب تتجاوز 108 ملايين دولار في 2025

لم تعد الشركات الناشئة المغربية تكتفي بإثبات قدرتها على الابتكار وجذب الاهتمام، بل بدأت تتحول إلى وجهة استثمارية تستقطب مبالغ متزايدة من رأس المال الجريء. وخلال 2025، تمكنت هذه الشركات من جمع أكثر من 108 ملايين دولار، في حصيلة هي الأعلى من حيث حجم التمويلات المسجلة، بما يعكس اتساع شهية المستثمرين تجاه الاقتصاد الرقمي والمشاريع التكنولوجية بالمغرب.

وتكشف هذه القفزة في الوقت نفسه عن مرحلة جديدة من تطور المنظومة، لكنها تضعها أمام اختبار أكثر تعقيداً يتعلق بقدرتها على مرافقة الشركات بعد مراحل التمويل الأولى، وتأمين الموارد اللازمة أمام المشاريع التي تدخل مرحلة التوسع، فضلاً عن توفير فرص تخارج تسمح بإعادة تدوير رؤوس الأموال داخل السوق.

وحسب تقرير «Morocco Startup Ecosystem 2025» الصادر عن جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، بلغت التمويلات التي حصلت عليها الشركات الناشئة المغربية 108.44 ملايين دولار عبر 48 جولة تمويل معلنة خلال 2025، مقارنة مع 94.96 ملايين دولار من خلال 40 عملية في 2024، و33.26 ملايين دولار في 2023.

وبذلك، ارتفعت قيمة التمويلات السنوية بنسبة 14.2%، بينما زاد عدد العمليات بنسبة 20%، في مؤشر على أن النمو لم يعد محصوراً في عدد قليل من الشركات الكبرى، بل أصبح يشمل قاعدة أوسع من المشاريع القادرة على الوصول إلى المستثمرين.

وتكشف مقارنة الأرقام بين 2024 و2025 عن تغير في تركيبة السوق، بعدما تراجع اعتماد منظومة الشركات الناشئة على الصفقات العملاقة التي كانت تستحوذ على حصة كبيرة من إجمالي التمويلات.

ففي 2024، مثلت أكبر ثلاث جولات تمويل نحو 64.7% من إجمالي الاستثمارات، في ظل تأثير صفقة استثنائية في قطاع تكنولوجيا السفر.

أما في العام التالي، فانخفضت حصة أكبر ثلاث عمليات إلى 33.66%، ما يشير إلى توزيع أكثر توازناً لرأس المال بين الشركات المستفيدة.

ويرى التقرير أن هذا التطور يحمل دلالة مهمة على مستوى نضج المنظومة، لأن اتساع عدد الشركات التي تتمكن من جذب الاستثمارات يعكس تطور السوق أكثر من مجرد تسجيل أرقام قياسية مرتبطة بصفقة أو صفقتين كبيرتين.

كما بدأت خريطة التمويل تظهر تدرجاً أوضح بين مراحل نمو الشركات. فقد بلغ حجم الجولة الوسيط حوالي 530 ألف دولار في مرحلة ما قبل البذرة، و1.10 مليون دولار في مرحلة البذرة، قبل أن يرتفع إلى 3.28 ملايين دولار في مرحلة ما قبل السلسلة «A»، ثم إلى 7.50 ملايين دولار في السلسلة «A».

وسجلت مرحلة ما قبل البذرة النشاط الأكبر من حيث عدد العمليات، بـ18 جولة تمثل 37.5% من إجمالي التمويلات، تلتها مرحلة البذرة بـ17 جولة.

ومن بين أبرز المؤشرات التي طبعت المشهد الاستثماري في 2025، النمو القوي الذي شهدته مرحلة ما قبل السلسلة «A».

فبعد تسجيل عمليتين فقط في 2024، ارتفع العدد إلى سبع عمليات خلال 2025، بإجمالي تمويلات بلغ 20.82 مليون دولار. ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة، باعتبار أن هذه المرحلة تمثل جسراً بين التمويل المبكر والانتقال إلى مستويات أكثر تقدماً من النمو.

أما جولات السلسلة «A»، فقد بلغ عددها ست عمليات بقيمة إجمالية وصلت إلى 51.41 مليون دولار، مقابل خمس عمليات بقيمة 62.50 مليون دولار خلال 2024.

ولا يعكس انخفاض القيمة الإجمالية بالضرورة تراجعاً في هذا النوع من التمويل، إذ تأثرت حصيلة 2024 بصفقة استثنائية في قطاع تكنولوجيا السفر. وعند استبعاد تأثيرها، يتضح أن تمويلات السلسلة «A» ارتفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف، من حوالي 14.50 مليون دولار إلى 51.41 مليون دولار.

لكن رغم هذا التطور، تظهر فجوة واضحة عند الانتقال إلى المرحلة التالية، إذ لم تسجل السوق المغربية خلال 2025 أي جولة تمويل معلنة من السلسلة «B».

يضع غياب تمويلات السلسلة «B» الشركات المغربية أمام تحدٍ حقيقي، خصوصاً بالنسبة للمشاريع التي تمكنت من إثبات نموذج أعمالها وأصبحت جاهزة للانتقال إلى مرحلة التوسع.

ففي هذه المرحلة تحتاج الشركات عادة إلى رؤوس أموال أكبر لتوسيع فرق العمل، والاستثمار في التكنولوجيا والتسويق، وترسيخ حضورها في السوق المحلية، قبل التوجه نحو الأسواق الإقليمية والدولية.

ومع محدودية هذا النوع من التمويل داخل المغرب، قد تجد الشركات المتقدمة نفسها مضطرة إلى البحث عن مستثمرين أجانب أو مصادر تمويل خارجية، الأمر الذي قد يدفع بعضها إلى إعادة هيكلة أو نقل جزء من هياكلها القانونية والاستثمارية إلى أسواق أخرى.

ولا تتوقف قوة منظومة رأس المال الجريء عند قدرتها على جمع الأموال وتمويل الشركات، بل تحتاج أيضاً إلى سوق قادرة على توفير مخارج للمستثمرين.

ويشير التقرير إلى أن معظم صناديق رأس المال الجريء المغربية لم تنفذ حتى الآن أكثر من عملية تخارج واحدة، وهو ما يجعل إعادة تدوير رأس المال أبطأ ويحد من قدرة الصناديق على إطلاق مركبات استثمارية جديدة.

وشهد 2025 بعض العمليات اللافتة في هذا المجال، من بينها استحواذ «ORA Technologies» على «Cathedis»، المتخصصة في خدمات التوصيل للمرحلة الأخيرة، إضافة إلى استحواذ «Logidoo» على «Kamtar»، فضلاً عن إدراج «Cash Plus» في بورصة الدار البيضاء، في خطوة أتاحت لأحد المساهمين التاريخيين بيع جزء من حصته.

ورغم أهمية هذه العمليات، فإنها لا تكفي بعد للحديث عن سوق متكاملة للاندماجات والاستحواذات، لكنها تضع لبنات أولى يمكن أن تساعد على تطوير آليات التخارج وتوفير مؤشرات أوضح لتقييم الشركات عند البيع أو الإدراج.

وعلى مستوى القطاعات، حافظت التكنولوجيا المالية على موقع الصدارة داخل منظومة الشركات الناشئة، مستفيدة من توسع حلول الدفع والائتمان والخدمات المالية الرقمية.

كما واصلت التكنولوجيا الزراعية تعزيز حضورها كواحدة من أكثر المجالات غير المالية جذباً للاهتمام الاستثماري، في وقت بدأت فيه التكنولوجيا العقارية بدورها في استقطاب جولات تمويل أكبر.

وتؤكد الخريطة الجغرافية استمرار تمركز النشاط في الدار البيضاء، التي احتضنت 28 عملية من أصل 48 جولة تمويل خلال 2025، واستحوذت على 75.12% من إجمالي رؤوس الأموال المعلنة.

وسجل المستثمرون الدوليون حضوراً متزايداً في السوق المغربية، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو عبر جولات التمويل المشترك.

وبحسب التقرير، شكلت الجولات التي شارك فيها مستثمران أو أكثر 56.25% من إجمالي العمليات، لكنها استحوذت على 84.72% من إجمالي الأموال التي تم جمعها.

كما شارك مستثمرون دوليون في 56.25% من عمليات التمويل، واستحوذوا على 67.92% من إجمالي رأس المال المعلن، بما يعكس تزايد أهمية الشراكة بين المستثمرين المحليين والأجانب في تمويل الشركات الناشئة المغربية.

ولم يغفل التقرير الجانب المرتبط بالمؤسسين، حيث شملت الدراسة 98 مؤسساً يقودون 47 شركة ناشئة حصلت على تمويل.

وتشير المعطيات إلى مستوى تعليمي ومهني مرتفع لدى غالبية المؤسسين، إذ يحمل حوالي 85% منهم شهادات دراسات عليا، فيما يمتلك نحو 80% خبرة مهنية لا تقل عن خمس سنوات قبل إطلاق مشاريعهم.

في المقابل، لا تزال الفجوة بين الجنسين واضحة في الوصول إلى التمويل، حيث لم تتجاوز نسبة النساء من بين مؤسسي الشركات الممولة 15.31%.

ومع ذلك، تظهر البيانات أن النساء اللواتي تمكنّ من الوصول إلى رأس المال الاستثماري يشغلن مواقع قيادية داخل شركاتهن، بما فيها مناصب الإدارة العامة، بنسب قريبة من المؤسسين الرجال.

تعكس حصيلة 2025 انتقال منظومة الشركات الناشئة المغربية إلى مستوى أكثر نضجاً من حيث قدرتها على جذب رأس المال وتوسيع قاعدة المشاريع المستفيدة من التمويل.

لكن ارتفاع الاستثمارات لا يعني أن دورة رأس المال أصبحت مكتملة. فالمرحلة المقبلة ستتطلب توفير تمويلات أكبر للشركات التي تتجاوز مراحلها الأولى، وخلق بيئة تسمح لها بالتوسع، إلى جانب تطوير سوق نشطة للتخارج تمكن المستثمرين من استعادة أموالهم وإعادة ضخها في مشاريع جديدة.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي لم يعد فقط على رفع قيمة التمويلات، وإنما على تحويل هذه الاستثمارات إلى شركات قادرة على النمو والتوسع وتحقيق عوائد للمستثمرين، بما يضمن استمرار دورة رأس المال وظهور جيل جديد من الشركات الناشئة المغربية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى