الاقتصادية

أزمة المصداقية تضرب واشنطن.. هل فقدت الولايات المتحدة سلاحها الأقوى في العالم؟

لم تعد قوة الدول الكبرى تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية أو قدرتها الاقتصادية، بل أصبحت المصداقية السياسية والقدرة على كسب ثقة الحلفاء والخصوم عنصرًا حاسمًا في تحديد مكانتها الدولية.

وعلى مدى عقود، شكلت الثقة في الولايات المتحدة أحد أهم مصادر نفوذها العالمي، إذ كانت مواقف البيت الأبيض وتصريحات قادته قادرة على التأثير في الأسواق، وتغيير حسابات الحكومات، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية.

لكن هذه الصورة بدأت تتعرض لاختبارات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي، حيث أثارت طبيعة إدارته القائمة على الرسائل المتغيرة والقرارات المفاجئة تساؤلات حول قدرة واشنطن على الحفاظ على موقعها كقوة قيادية تحظى بثقة المجتمع الدولي.

ولم يعد النقاش العالمي يتركز فقط حول ما ستقرره الولايات المتحدة في الملفات الكبرى، بل أصبح يدور حول مدى قدرة الدول الأخرى على الاعتماد على تعهداتها، في ظل تغيّر المواقف السياسية بسرعة وتراجع وضوح الرؤية الاستراتيجية الأمريكية.

منذ ولايته الأولى، حرص ترامب على التأكيد أن سياساته أعادت للولايات المتحدة هيبتها الدولية، وأن واشنطن باتت أكثر قوة في تعاملها مع العالم. غير أن الواقع أظهر مسارًا مختلفًا، مع تصاعد المخاوف بشأن استقرار القرارات الأمريكية وقدرتها على الحفاظ على نهج ثابت.

وخلال فترة حكمه، شهدت عدة ملفات دولية إعلان مواقف أمريكية حادة قبل أن يتم تعديلها أو التراجع عنها لاحقًا، سواء تعلق الأمر بالسياسات التجارية أو العلاقات مع الحلفاء أو الملفات الأمنية، وهو ما جعل العديد من الحكومات والأسواق أكثر حذرًا في التعامل مع التصريحات القادمة من واشنطن.

وامتد هذا التذبذب إلى قضايا استراتيجية بالغة الحساسية، من بينها ملف مضيق هرمز، حيث انتقد ترامب ومسؤولون أمريكيون في السابق أي إجراءات تتعلق بفرض رسوم على حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي، قبل أن يطرح الرئيس الأمريكي لاحقًا فكرة تدخل الولايات المتحدة لحماية المضيق وفرض رسوم على السفن العابرة، ثم يتراجع عن المقترح خلال وقت قصير.

كما انعكس الجدل الداخلي حول الانتخابات الأمريكية على صورة البلاد خارجيًا، بعدما شكك ترامب في نزاهة العملية الانتخابية، وهو ما اعتبره منتقدوه عاملًا ساهم في إضعاف الثقة بالمؤسسات الأمريكية، رغم أن بعض الوثائق الرسمية لم تؤيد أكثر الادعاءات حدة.

لم تبقِ تداعيات هذه التحولات داخل الحدود الأمريكية، بل امتدت إلى نظرة العالم تجاه واشنطن، حيث كشفت استطلاعات دولية عن انخفاض واضح في مستوى الثقة بالقيادة الأمريكية.

وأظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث وشملت أكثر من 42 ألف شخص في 36 دولة، أن الصين أصبحت تحظى بصورة إيجابية تفوق الولايات المتحدة في عدد من الدول المشاركة، وهو تحول يمثل سابقة منذ بداية هذا النوع من القياسات عام 2002.

كما أظهر الاستطلاع أن نسبة محدودة من المشاركين فقط ترى أن ترامب قادر على اتخاذ قرارات صائبة في القضايا الدولية، في حين عبرت أغلبية المشاركين عن ضعف ثقتها في إدارته للسياسة الخارجية.

ولم تعد أزمة الثقة مرتبطة بالدول الأجنبية فقط، إذ كشفت استطلاعات داخل الولايات المتحدة عن وجود حالة واسعة من عدم الرضا بشأن طريقة إدارة ترامب للملفات الداخلية والخارجية، ما جعل قضية المصداقية تحديًا يواجه الإدارة الأمريكية على المستويين المحلي والدولي.

يربط العديد من المحللين تراجع الثقة الدولية بالتحولات التي حملها نهج “أمريكا أولًا”، والذي أعاد تعريف علاقة الولايات المتحدة بحلفائها وشركائها حول العالم.

فمنذ بداية هذا النهج، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي عبر فرض رسوم جمركية واسعة، وتقليص بعض برامج المساعدات الخارجية، والتشكيك في التزامات واشنطن تجاه حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى انتقاد المؤسسات الدولية واعتماد خطاب أكثر صدامية مع عدد من الدول.

وأدى ذلك إلى تغير تدريجي في صورة الولايات المتحدة كشريك يمكن توقع مواقفه، في وقت عملت فيه الصين على تعزيز حضورها عبر خطاب يركز على الاستثمار والتجارة والتعاون الاقتصادي، ما منحها قدرة أكبر على جذب بعض الدول، خصوصًا في الأسواق الناشئة.

Trump: Objectives in Iran Near Completion, Terrorist Nation 'Bully No  Longer' > U.S. Department of War > Defense Department News | U.S.  Department of War

ورغم استمرار القلق العالمي من توسع النفوذ الصيني، فإن عددًا من الدول بات يرى بكين شريكًا اقتصاديًا أكثر استقرارًا في بعض المجالات مقارنة بالولايات المتحدة.

ومع ذلك، لم تفقد واشنطن مكانتها بالكامل، إذ لا تزال دول مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية والفلبين تعتبر الولايات المتحدة حليفًا استراتيجيًا أساسيًا، خاصة في ظل التوترات الأمنية والمنافسة المتزايدة مع الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

تؤكد التجربة الأمريكية أن النفوذ الدولي لا يقوم فقط على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل يعتمد كذلك على القدرة على بناء الثقة والالتزام بالوعود والحفاظ على وضوح الرسائل السياسية.

وقد يكون استعادة المصداقية العالمية أكثر صعوبة من فقدانها، إذ تحتاج الدول إلى سنوات طويلة لإعادة بناء الثقة التي تتآكل خلال فترات قصيرة من الاضطراب السياسي.

وتظهر التجارب السابقة أن تحسن صورة الولايات المتحدة بعد انتقال السلطة من إدارة جورج دبليو بوش إلى إدارة باراك أوباما لم يكن كافيًا لإعادة المكانة التي تمتعت بها واشنطن خلال تسعينيات القرن الماضي، عقب انتهاء الحرب الباردة.

وبذلك، ستواجه أي إدارة أمريكية مستقبلية تحديًا كبيرًا يتمثل في إعادة ترميم صورة الولايات المتحدة عالميًا، ليس فقط عبر القرارات الكبرى أو التحركات العسكرية والاقتصادية، بل من خلال استعادة العنصر الذي كان لسنوات طويلة أساس نفوذها: الثقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى