المغرب يجذب التنافس الأميركي والصيني والأوروبي على المعادن الحيوية وسلاسل البطاريات

دخل المغرب دائرة التنافس الدولي المتصاعد حول المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها، في وقت تتسابق فيه القوى الصناعية الكبرى لتأمين المواد الأساسية التي أصبحت ضرورية لتطوير السيارات الكهربائية والبطاريات وأنظمة تخزين الطاقة، فضلاً عن عدد من الصناعات التكنولوجية والدفاعية.
وبدا هذا التوجه واضحاً خلال مؤتمر «Giga Africa 2026» الذي احتضنته مراكش يومي 29 و30 شتنبر، حيث حضرت الولايات المتحدة عبر مسؤولين وخبراء في مجالات التعدين والطاقة والتصنيع والتمويل، في محاولة لتسليط الضوء على توجهاتها الجديدة لتنويع مصادر المعادن وتأمين مراحل معالجتها.
وشكلت مشاركة ويداد ويتمان، المكلفة بأمن سلاسل الإمداد في مكتب المعادن الحرجة والمواد والتصنيع بوزارة الطاقة الأميركية، إحدى أبرز محطات المؤتمر، بعدما عرضت توجهات واشنطن المتعلقة بإعادة توطين مشاريع التعدين والمعالجة وتمويلها، باعتبار أن التحكم في هذه المراحل أصبح عاملاً حاسماً في امتلاك سلاسل توريد مستقرة.
وتأتي التحركات الأميركية في سياق مساعٍ لتقليص الاعتماد على الخارج في توفير المعادن التي تدخل في صناعات استراتيجية، خصوصاً تلك المرتبطة بالطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والدفاع.
وفي 30 شتنبر، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية تخصيص 29.5 مليون دولار لدعم 17 مشروعاً داخل المختبرات الوطنية، بهدف تطوير تقنيات جديدة في مجال التعدين وتعزيز القدرات المرتبطة باستخراج المعادن، ضمن سياسة تستهدف تقوية الإنتاج المحلي وتقليص المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد الدولية.
غير أن التحدي لا يتوقف عند استخراج الخامات من المناجم، إذ تمثل عمليات التكرير والمعالجة وإنتاج المواد الوسيطة الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة القيمة. فالمعدن الخام لا يتحول تلقائياً إلى مكوّن قابل للاستخدام في البطاريات، بل يحتاج إلى مراحل صناعية وتقنية متعددة ترفع قيمته الاقتصادية وتحدد موقع الدولة داخل سلسلة التصنيع العالمية.
ومن هنا تبرز أهمية المغرب، الذي يسعى إلى تجاوز نموذج تصدير المواد الخام نحو تطوير منظومة متكاملة تجمع بين الموارد المعدنية والصناعات التحويلية والاستثمارات المرتبطة بالبطاريات والسيارات الكهربائية.
ويشكل النحاس والكوبالت جزءاً من هذه المنظومة، بالنظر إلى ارتباطهما بعدد من التطبيقات الصناعية والتكنولوجية.
وتعتبر مجموعة «مناجم» مشروع «تيزرت» أحد أبرز مشاريع النحاس في المملكة، بعدما دخل المنجم مرحلة الإنتاج، في وقت تواصل فيه المجموعة نشاطها في قطاعي النحاس والكوبالت.
وفي سوق الكوبالت، عززت «مناجم» حضورها في سلسلة القيمة من خلال اتفاق مع شركة «رينو» لتزويدها بنحو 5 آلاف طن سنوياً من كبريتات الكوبالت لمدة سبع سنوات، ابتداءً من 2025. ويشمل الاتفاق جوانب مرتبطة بتتبع مصدر المنتج والحد من بصمته الكربونية، بما يعكس تنامي أهمية المعايير البيئية إلى جانب تأمين المواد الأولية.
ويكشف هذا المسار عن تحول في طبيعة القيمة الاقتصادية للمعادن، إذ لم يعد الرهان منصباً فقط على استخراج الخام، وإنما على تطوير مراحل المعالجة والتحويل التي تسمح بإدماجه مباشرة في صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ويتقاطع هذا التوجه مع الاستثمارات المرتبطة بصناعة البطاريات في منطقة الرباط-سلا-القنيطرة، وعلى رأسها مشروع شركة «غوشن» الصينية.
وتعتزم «غوشن» بشراكة مع «PowerCo»، التابعة لمجموعة «فولكسفاغن»، تطوير منشأة لإنتاج مواد الكاثود المستخدمة في بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، بطاقة إنتاجية تصل إلى 100 ألف طن سنوياً، مع امتلاك «PowerCo» حصة تبلغ 49% في الشركة المغربية، وفق المعطيات المنشورة حول المشروع.
كما حصلت «غوشن» على تمويل بقيمة 100 مليون يورو من البنك الإفريقي للتنمية، لدعم مشروع مصنع متكامل للبطاريات من نوع فوسفات الحديد والليثيوم، مع وجود خطط لرفع القدرات الإنتاجية مستقبلاً.
وتضع هذه المشاريع المغرب أمام فرصة للانتقال من موقع المنتج أو المصدر للمواد الأولية إلى موقع أكثر تقدماً داخل سلسلة الصناعة، عبر استقطاب الاستثمارات في معالجة المعادن وإنتاج المواد الكيميائية ومكونات البطاريات ثم ربطها بمنظومة تصنيع السيارات الكهربائية.
وتمنح طبيعة الاستثمارات الجارية في المغرب بعداً دولياً إضافياً لهذا المسار، إذ أصبحت المملكة نقطة التقاء لمصالح صناعية مختلفة.
ففي الوقت الذي تقود فيه شركة صينية مشروعاً رئيسياً في مجال البطاريات، ترتبط «PowerCo» التابعة لفولكسفاغن بالمشروع ذاته، بما يخلق تقاطعاً بين الخبرة والاستثمار الصينيين من جهة، والسوق والتكنولوجيا الصناعية الأوروبية من جهة أخرى.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في سلاسل توريد المعادن الحيوية، والبحث عن شركاء ومصادر بديلة خارج شبكات الإمداد التي تهيمن عليها قوى منافسة.
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب، إلى جانب علاقاته التجارية والصناعية مع أوروبا وتوفره على موارد معدنية وبنية صناعية في طور التوسع، أهمية متزايدة في هذه المعادلة.
وبذلك، لا يبدو الرهان المغربي محصوراً في تطوير قطاع التعدين، بل يتجه نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من استخراج المعادن وتمتد إلى معالجتها وتحويلها إلى مواد صناعية، وصولاً إلى إدماجها في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية.
ومع استمرار السباق العالمي لتأمين المعادن الحيوية وتقليص مخاطر سلاسل الإمداد، قد تتحول الاستثمارات الجديدة في المغرب إلى عنصر أساسي في إعادة تشكيل موقع المملكة داخل خريطة الصناعات المرتبطة بالطاقة والتنقل الكهربائي.



