أزمة الخليج تعيد إشعال مخاطر الطاقة.. النفط يرتفع والأسواق تستعد لمرحلة جديدة من التقلبات

دخلت أسواق الطاقة والمال العالمية مرحلة جديدة من الترقب بعد عودة التوترات العسكرية إلى منطقة الخليج، حيث أعادت التطورات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران إحياء المخاوف بشأن استقرار إمدادات النفط وحركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
وأدى تصاعد المخاطر الأمنية إلى تحركات قوية في الأسواق، بعدما سجلت أسعار النفط ارتفاعات ملحوظة، في وقت تعرضت فيه الأسهم لضغوط بيعية بفعل حالة عدم اليقين التي تهيمن على المستثمرين بشأن مستقبل المواجهة واحتمالات توسعها إقليميًا.
وتتضاعف حساسية الوضع بسبب ارتباط الأزمة بمضيق هرمز، الذي يعد شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الدولية، ما يجعل أي تهديد لحركة السفن فيه عاملًا قادرًا على إحداث اضطرابات واسعة في الأسعار وسلاسل الإمداد العالمية.
وبين التصعيد العسكري، وتشديد العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية، وتراجع فرص العودة إلى مسار التفاوض، تواجه الأسواق اختبارًا جديدًا قد يعيد رسم خريطة المخاطر في قطاع الطاقة والاقتصاد العالمي.
خلال مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم التي كانت تمثل إطارًا للتهدئة مع إيران أصبحت “منتهية”، عقب تبادل الضربات العسكرية بين الطرفين.
ووجه ترامب انتقادات حادة للقيادة الإيرانية، متهمًا إياها بعدم التعامل بجدية مع المسار التفاوضي، واعتبر أن استمرار الحوار في ظل الظروف الحالية يمثل “إضاعة للوقت”.
ورغم ذلك، أكد الرئيس الأمريكي أنه لن يتدخل لمنع فريقه التفاوضي من مواصلة الاتصالات إذا رأى إمكانية لتحقيق تقدم، في إشارة إلى استمرار وجود هامش دبلوماسي رغم التصعيد السياسي والعسكري.
بدأت موجة التصعيد الأخيرة عقب تعرض ثلاث ناقلات تجارية لهجمات بصواريخ وقذائف قرب المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، وبالقرب من مضيق هرمز، ما أثار مخاوف دولية بشأن أمن الملاحة البحرية.
وردت الولايات المتحدة بتنفيذ عمليات عسكرية واسعة استهدفت أكثر من 80 موقعًا تابعًا للحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع قرار واشنطن إلغاء الإعفاء المؤقت الذي كان يسمح لطهران بمواصلة تصدير جزء من إنتاجها النفطي إلى الأسواق العالمية.
ويشكل هذا القرار ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد الإيراني، الذي يعتمد بشكل كبير على مداخيل الطاقة، كما يعيد العقوبات النفطية إلى قلب المواجهة بين البلدين.
سرعان ما انعكست التطورات الأمنية على الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار خام برنت بأكثر من 6% خلال تعاملات الأربعاء، مقتربة من مستوى 80 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف من احتمال تعرض الإمدادات العالمية للاضطراب في حال اتسعت دائرة الصراع.
وفي المقابل، تعرضت أسواق الأسهم لضغوط قوية، إذ تراجعت العقود الآجلة للمؤشرات الأمريكية بأكثر من 1%، بينما عمقت البورصات الأوروبية خسائرها بالقرب من 2%.
كما شهد الذهب، الذي يعتبر أحد أبرز الملاذات الآمنة خلال فترات الأزمات، تراجعًا بأكثر من 2% بفعل عمليات جني الأرباح بعد موجة ارتفاع قوية.
فرض التصعيد بين واشنطن وطهران نفسه على أعمال قمة حلف شمال الأطلسي، بعدما طغت التطورات العسكرية على الملفات الرئيسية التي كانت مدرجة ضمن جدول أعمال الحلف.
وأكد الأمين العام للناتو مارك روته دعمه للتحركات الأمريكية، معتبرًا أن الرد العسكري جاء بهدف حماية اتفاق وقف إطلاق النار ومنع تدهور الوضع الأمني في المنطقة.
مع استمرار التوترات، أصدرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية توصيات لشركات الطيران بتجنب المجال الجوي لكل من إيران والعراق ولبنان، محذرة من المخاطر المرتبطة بالنشاطات العسكرية في المنطقة.
وأكدت الوكالة أن هذه الإجراءات ستظل قائمة حتى نهاية أغسطس، في انتظار تطورات الوضع الأمني.
من جهتها، أدانت المنظمة البحرية الدولية الهجمات التي استهدفت السفن التجارية، ودعت مختلف الأطراف إلى خفض التصعيد وضمان سلامة حركة الملاحة.
وحذرت المنظمة من أن استمرار الهجمات يرفع المخاطر التشغيلية على شركات النقل البحري وطواقم السفن، مشيرة إلى وجود آلاف البحارة العالقين على متن سفنهم في منطقة الخليج بسبب الظروف الأمنية.
كما دعت ملاك السفن وشركات الشحن إلى إعادة تقييم مسارات العبور وتجنب المرور عبر مضيق هرمز إلى حين تحسن الوضع.
تزامنت التطورات العسكرية مع مرحلة سياسية داخلية دقيقة في إيران، بالتزامن مع مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وسط مساعٍ من النظام الجديد لإظهار قدرته على الحفاظ على الاستقرار والتماسك الداخلي.
ويرى محللون أن التصعيد الخارجي قد يحمل رسائل سياسية متعددة، سواء بهدف تعزيز الموقف الداخلي أو التأكيد على قدرة طهران على الرد في مواجهة الضغوط الدولية.
بعد فترة قصيرة من توقيع مذكرة التفاهم في قصر فرساي، تواجه العلاقات الأمريكية الإيرانية انتكاسة جديدة أعادت الطرفين إلى أجواء المواجهة، في ظل استمرار العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران منذ سنوات طويلة.
ويشكل تعليق الإعفاء النفطي خسارة اقتصادية مهمة لإيران، خصوصًا أن قطاع الطاقة يمثل أحد أهم مصادر تمويل الخزينة العامة، ويؤمن جزءًا كبيرًا من إيرادات الحكومة.
وفي المقابل، بدأت تداعيات الأزمة تتجاوز حدود المواجهة الثنائية، بعدما ألغى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث زيارته إلى إسرائيل، بالتزامن مع تحذيرات أوروبية بشأن الطيران في المنطقة.
وتثير هذه التطورات مخاوف من إمكانية توسع رقعة المواجهة لتشمل ساحات أخرى، مثل لبنان أو أهداف داخل الأراضي الإيرانية، ما قد يزيد الضغوط على أسواق النفط العالمية ويرفع مخاطر التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد.




