ترامب يتجه لإعادة رسم آلية تمويل الأبحاث الصحية في الولايات المتحدة

تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إدخال تغييرات جديدة على طريقة توزيع التمويل الفيدرالي المخصص للأبحاث الصحية، من خلال إنشاء هيئة جديدة قد تمنح مسؤولين سياسيين دوراً مباشراً في تحديد المشاريع البحثية التي تستحق الحصول على منح من المعاهد الوطنية للصحة.
وبحسب ما أوردته «بوليتيكو» يوم السبت نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية اطلعوا على اجتماع داخلي، وجّه ترامب مدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض، راسل فوغت، إلى إعداد أمر تنفيذي يقضي بإنشاء مجلس يتولى المشاركة في تحديد المنح التي ستحصل على تمويل من المعاهد الوطنية للصحة.
ويمثل المقترح تحولاً محتملاً في آلية اتخاذ قرارات التمويل داخل واحدة من أبرز المؤسسات الحكومية الأميركية المعنية بتمويل الأبحاث الطبية والصحية.
وفقاً للتفاصيل التي نقلها التقرير، سيضم المجلس المقترح مدير المعاهد الوطنية للصحة جاي باتشاريا، إلى جانب راسل فوغت، الذي يشغل منصب مدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض.
ومن المقرر أن تكون قرارات المجلس بشأن المنح التمويلية خاضعة لمبدأ الإجماع بين أعضائه، ما يعني أن الموافقة على التمويل ستتطلب اتفاق المشاركين في المجلس على المنح التي تستحق الحصول على الأموال الحكومية.
ويمنح هذا الترتيب فوغت دوراً مباشراً في عملية تحديد كيفية توزيع الأموال التي خصصها الكونغرس للمعاهد الوطنية للصحة، بعدما كانت قرارات تمويل الأبحاث تعتمد بصورة أساسية على آليات المراجعة العلمية المعمول بها داخل الوكالة.
ويأتي المقترح في وقت تشهد فيه إدارة ترامب نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل التمويل الفيدرالي للبحث العلمي، خصوصاً في الجامعات والمؤسسات البحثية الأميركية.
وتأتي الخطوة الجديدة في أعقاب سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب منذ العام الماضي لخفض أو إعادة توجيه تمويل الأبحاث الحكومية.
وشملت هذه الإجراءات منحاً مخصصة لمؤسسات جامعية وبحثية كبرى، ما أدى إلى تجميد أو إلغاء عدد من المشاريع والمنح، وسط انتقادات من علماء ومؤسسات أكاديمية حذرت من تداعيات تقليص الدعم الحكومي على البحث العلمي.
في المقابل، تدافع إدارة ترامب عن سياستها باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الفيدرالي، وتقول إن الأموال العامة يجب أن تذهب إلى الأبحاث التي تراها قوية وذات قيمة علمية، بدلاً من تمويل مجالات تعتبر الإدارة أنها حظيت بأولوية غير مناسبة خلال السنوات الماضية.
ويعكس ذلك خلافاً أوسع حول المعايير التي ينبغي اعتمادها عند تحديد الأبحاث التي تستحق التمويل الحكومي، وما إذا كان ينبغي أن تقتصر عملية التقييم على المعايير العلمية التقليدية أو أن تشمل أيضاً اعتبارات تتعلق بأولويات الحكومة.
ولم تقتصر الخلافات بشأن سياسة التمويل الجديدة على المستوى السياسي والأكاديمي، بل وصلت إلى المحاكم الأميركية.
فقد رفعت مجموعة من العلماء دعوى جماعية ضد المعاهد الوطنية للصحة، متهمة الوكالة باستخدام معايير إضافية عند تقييم طلبات الحصول على المنح تتجاوز نظام المراجعة العلمية التقليدي.
وبحسب المدعين، تضمنت قائمة داخلية نحو 235 كلمة مرتبطة بموضوعات من بينها التنوع والهوية الجندرية وتغير المناخ، واستخدمت في عملية فحص بعض طلبات التمويل.
وتقول الدعوى إن استخدام هذه المعايير ساهم في رفض أو إنهاء أو إعادة التفاوض بشأن عدد من المنح البحثية.
وتنفي الإدارة أن تكون سياساتها تهدف إلى إضعاف البحث العلمي، وتقدمها باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لإعادة توجيه الموارد الحكومية نحو مجالات بحثية تعتبرها أكثر توافقاً مع أولوياتها.
وتأتي التطورات الأخيرة بعد تقليص تمويل حكومي لمشاريع بحثية في مجموعة من المجالات خلال العام الماضي، بما في ذلك منح مرتبطة ببرامج التنوع والمساواة والشمول.
وفي أغسطس 2025، سمحت المحكمة العليا الأميركية للمعاهد الوطنية للصحة بالمضي قدماً في خفض منح مرتبطة بهذه البرامج، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 783 مليون دولار.
ويضاف ذلك إلى سلسلة من القرارات والإجراءات التي أعادت فتح النقاش في الولايات المتحدة بشأن استقلالية المؤسسات العلمية، وحدود تدخل الإدارة التنفيذية في تحديد أولويات تمويل الأبحاث التي تمولها الحكومة الفيدرالية.
وفي حال اعتماد المجلس المقترح، فإن دوره قد يضيف طبقة جديدة إلى عملية اتخاذ القرار بشأن المنح التي تمولها المعاهد الوطنية للصحة، خصوصاً مع وجود مسؤول من مكتب الإدارة والميزانية ضمن الجهة المكلفة باتخاذ القرارات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم التمويل الذي تديره المعاهد الوطنية للصحة ودورها في دعم الأبحاث الطبية والبيولوجية والصحية في الولايات المتحدة.
وفي الوقت الذي ترى فيه الإدارة أن إعادة ضبط آليات التمويل ضرورية لضمان توجيه الموارد نحو أولوياتها، يخشى منتقدون من أن يؤدي إدخال اعتبارات سياسية إلى عملية اختيار المشاريع إلى تغيير طبيعة نظام تمويل الأبحاث الفيدرالي.
وبينما لم يصدر تعليق فوري من مكتب الإدارة والميزانية أو البيت الأبيض أو وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي تشرف على المعاهد الوطنية للصحة، على طلب «رويترز» للتعليق خارج ساعات العمل الرسمية، يظل إنشاء المجلس المقترح مرتبطاً بما ستتضمنه الصيغة النهائية للأمر التنفيذي ومدى الصلاحيات التي ستمنح له.
وبذلك، تبدو سياسة تمويل الأبحاث الصحية في الولايات المتحدة أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل العلاقة بين المعايير العلمية والأولويات الحكومية في توزيع مليارات الدولارات المخصصة للبحث والتطوير.




