119 ألف طن من الواردات.. سوق الأرز بالمغرب يواجه اختباراً صعباً مع عودة الإنتاج المحلي

بعدما كان تحسن الوضع المائي يبعث على الأمل في عودة زراعة الأرز بالمغرب إلى مسارها الطبيعي، وجد القطاع نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً خلال موسم 2026. فالفلاحون الذين كانوا يتطلعون إلى تعويض خسائر سنوات الجفاف يواجهون الآن تداعيات الفيضانات من جهة، وضغوطاً متزايدة على السوق بسبب تراكم المخزونات وارتفاع واردات الأرز من جهة أخرى.
ولا تقتصر المخاوف هذه المرة على الحقول والإنتاج الزراعي، إذ بدأت تداعيات الوضع تمتد إلى وحدات التحويل والتخزين، وسط تحذيرات مهنية من أن استمرار الاختلال الحالي قد يصعّب على الصناعيين شراء المحصول المحلي، ويفتح الباب أمام ضغوط إضافية على مداخيل المنتجين.
وتشكل منطقة الغرب القلب النابض لزراعة الأرز في المغرب، بالنظر إلى مساهمتها الكبيرة في الإنتاج الوطني واعتماد آلاف الفلاحين على هذا النشاط.
وكان الموسم الحالي يحمل مؤشرات إيجابية بعد تحسن التساقطات والموارد المائية مقارنة بالسنوات السابقة، ما رفع الآمال في استعادة جزء من المساحات والإنتاج الذي تضرر بفعل موجات الجفاف المتتالية.
لكن الأمطار الغزيرة قلبت المعادلة، بعدما تسببت الفيضانات في غمر أكثر من 110 آلاف هكتار بأقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان.
وأدت هذه الظروف المناخية إلى تعقيد الموسم الزراعي، في وقت كان فيه المنتجون يراهنون على تحسن الظروف المائية للخروج تدريجياً من آثار سنوات الجفاف.
إلا أن القطاع وجد نفسه أمام ضغط إضافي مصدره السوق، بعدما أصبحت وفرة المنتجات المستوردة والمخزونات المتراكمة عاملاً يؤثر في قدرة المنظومة على استيعاب الإنتاج الوطني.
وتكشف الأرقام التي يستند إليها المهنيون عن تحول كبير في حجم واردات الأرز خلال السنوات الأخيرة.
فقد ارتفعت واردات المغرب من الأرز الأبيض والأرز المبخر من حوالي 55 ألف طن سنة 2022 إلى نحو 119 ألف طن سنة 2025، أي بزيادة تجاوزت 116 في المائة خلال ثلاث سنوات.
وجاء هذا الارتفاع في سياق مختلف عن الوضع الحالي، إذ ساهمت الواردات في تأمين حاجيات السوق الوطنية خلال سنوات تراجع الإنتاج المحلي بسبب الجفاف.
لكن المهنيين يرون أن استمرار هذه التدفقات بالمستويات نفسها أصبح يفرض تحدياً جديداً، خصوصاً مع تحسن الظروف المائية وعودة إمكانية ارتفاع الإنتاج الوطني.
وبالنسبة للقطاع، لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بقدرة المغرب على توفير الأرز للمستهلك، بل أصبح يتعلق أيضاً بقدرة السوق على استيعاب المحصول المحلي وإتاحة منافذ تسويقية كافية أمام المنتجين.
وتزداد حدة الإشكال مع ارتفاع مستويات المخزون لدى وحدات تحويل الأرز، التي أصبحت تواجه ضغوطاً على طاقاتها التخزينية وعلى السيولة المخصصة لشراء المحصول.
ويحذر مهنيون من أن استمرار تراكم المخزونات قد يدفع بعض الوحدات إلى تخفيض مشترياتها من الأرز الخام، وهو ما قد يؤدي إلى اختناق في مرحلة التسويق مع دخول محصول جديد إلى السوق.
ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة لأن المصانع لا تمثل مجرد حلقات صناعية لمعالجة الأرز، وإنما تشكل أيضاً حلقة وصل رئيسية بين الفلاح والسوق.
وأي تراجع في قدرتها على شراء المحصول يمكن أن ينعكس مباشرة على المنتجين، سواء من خلال صعوبة تصريف الإنتاج أو عبر زيادة الضغوط على الأسعار.
وتؤدي وحدات تحويل الأرز أدواراً تتجاوز عمليات الطحن والتصنيع، إذ تساهم في تمويل النشاط الزراعي من خلال تقديم تسبيقات للفلاحين، وتنظيم عمليات جمع المحصول، ثم تخزينه وتحويله وتسويقه.
لذلك، فإن اضطراب النشاط الصناعي قد ينتقل بسرعة إلى الحلقة الزراعية، خصوصاً إذا وجدت الوحدات نفسها عاجزة عن استيعاب كميات جديدة بسبب ارتفاع المخزونات القائمة.
ويحذر الفاعلون من أن استمرار هذه الوضعية قد يضعف الدورة المالية للقطاع بأكمله، ويجعل الفلاحين أكثر عرضة لتقلبات السوق في موسم يفترض أن يشكل مرحلة لتعافي النشاط بعد سنوات صعبة.




