المغرب يعيد هندسة رهانه الطاقي بتحويل مكتب الهيدروكاربورات وتسريع مشروع الغاز النيجيري

يتجه المغرب إلى إعادة رسم ملامح سياسته الطاقية عبر تعزيز الإطار المؤسساتي للفاعلين في القطاع، في خطوة ترمي إلى رفع القدرة على جذب الاستثمارات وتوسيع الشراكات الدولية، بالتزامن مع اقتراب مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي من مرحلة مفصلية مع قرب استكمال الاتفاقيات النهائية المرتبطة به.
وكشفت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، أن المؤسسة انتقلت رسمياً إلى صيغة شركة مساهمة خلال شهر يونيو 2026، معتبرة أن هذا التحول يمثل محطة بارزة في مسار تطوير المكتب وتعزيز دوره داخل المنظومة الطاقية الوطنية.
وأوضحت بنخضرة، في حوار مع منصة “ذي إنرجي يير” المتخصصة في شؤون الطاقة، أن هذه الخطوة تندرج ضمن توجه حكومي شامل لإعادة هيكلة عدد من المؤسسات العمومية العاملة في قطاعات استراتيجية، بهدف تحسين الحكامة وتطوير آليات التدبير والرفع من القدرة على تعبئة التمويلات.
وأكدت أن اعتماد صيغة الشركة المساهمة سيمكن المكتب من تجاوز حدود التمويل التقليدي، وفتح المجال أمام آليات استثمار جديدة، بما يعزز قدرته على مواكبة المشاريع الكبرى وبناء شراكات طويلة الأمد مع الفاعلين الدوليين في مجالات الاستكشاف والبنيات التحتية الطاقية.
وفي ما يتعلق بمشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي، أكدت بنخضرة أن المشروع قطع مراحل مهمة، بعدما تم استكمال عدد من الدراسات التقنية والاقتصادية، من بينها دراسات الجدوى والتصميم الهندسي الأولي، إلى جانب تقدم الأشغال المرتبطة بالدراسات البيئية والاجتماعية.
وأشارت إلى أن الاتفاقية الحكومية المشتركة الخاصة بالمشروع حصلت على موافقة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في انتظار استكمال الإجراءات النهائية المتعلقة بالتوقيع وإنشاء شركة ذات غرض خاص ستتولى الإشراف على تنفيذ المشروع.
ومن المرتقب، حسب المسؤولة المغربية، أن يتم الانتقال إلى هذه المرحلة خلال نهاية سنة 2026، بما يفتح الطريق أمام مشروع يعد من أكبر الأوراش الطاقية على المستوى القاري.
وترى بنخضرة أن الأنبوب لا يمثل مجرد منشأة لنقل الغاز، بل يشكل مشروعاً استراتيجياً لتعزيز الاندماج الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا، ودعم التنمية الصناعية بالمنطقة، إضافة إلى المساهمة في تعزيز أمن الطاقة بالنسبة للأسواق الأوروبية.
وأضافت أن جزءاً مهماً من الطاقة التي سيؤمنها المشروع سيكون موجهاً نحو التصدير، ما يعزز موقع المغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا في مجال الطاقة.
وأكدت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أن الرؤية المغربية في مجال الطاقة تقوم على الجمع بين مختلف المصادر، وليس الاختيار بين الغاز الطبيعي والطاقات المتجددة.
وأوضحت أن المملكة تعمل على تطوير البنيات التحتية الخاصة باستقبال الغاز الطبيعي المسال، ودعم مشروع خط أنابيب الغاز الإفريقي الأطلسي، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي بهدف توفير مرونة أكبر للنظام الطاقي الوطني.
وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن الإنتاج المحلي يرتقب أن يعرف تطوراً خلال السنوات المقبلة بفضل استغلال حقول الغرب والصويرة وتندرارة، بالتوازي مع استمرار توسع مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.
ثروات جيولوجية تعزز جاذبية المملكة
وسلطت بنخضرة الضوء على المؤهلات الجيولوجية التي يتوفر عليها المغرب، مؤكدة وجود إمكانات مهمة في مجال الغاز والنفط بعدد من المناطق البرية والبحرية.
وأوضحت أن حوض الغرب يواصل الإنتاج منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما يساهم حوض الصويرة في تزويد منشآت صناعية تابعة للمجمع الشريف للفوسفاط، في حين يستعد حوض تندرارة، شمال شرق المملكة، لدخول مرحلة الإنتاج الفعلي خلال نهاية سنة 2026.
كما أشارت إلى وجود مؤشرات مشجعة في أحواض أخرى، من بينها الزاك وبوذنيب وميسور ودكالة وتادلة، والتي ما تزال تخضع لأعمال الاستكشاف والتقييم.
وأكدت أن المناطق البحرية الأطلسية تمثل إحدى أهم فرص المستقبل، خصوصاً بعد النتائج المرتبطة باكتشاف حقل “أنشوا”، إضافة إلى المؤشرات المسجلة في منطقة بوجدور البحرية، ووجود احتمالات لاحتياطات من الغاز والمكثفات والنفط في السواحل الممتدة بين أكادير وطرفاية.
وأبرزت بنخضرة أن المؤشرات الجيولوجية الإيجابية ساهمت في استقطاب اهتمام عدد من كبريات شركات الطاقة العالمية، من بينها توتال إنرجيز وشل وشيفرون وبي بي وإكسون موبيل وريبسول، إلى جانب شركات مستقلة متخصصة في عمليات التنقيب.
وأكدت أن هذا الاهتمام يعكس الثقة في الإمكانات الطبيعية للمملكة وفي الإطار التنظيمي المعتمد، مشيرة إلى أن المكتب يواصل تطوير قاعدة البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية لتوفير معلومات دقيقة تساعد المستثمرين على تقليص مخاطر الاستكشاف.
وفي قطاع المعادن، شددت المسؤولة المغربية على أن استراتيجية المملكة لا تقتصر على استخراج الموارد الطبيعية وتسويقها، بل تقوم على تطوير صناعات تحويلية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل البلاد.
وأوضحت أن المغرب يتوفر على إنتاج مهم من الفوسفاط والكوبالت والمنغنيز، ويعمل على تعزيز إنتاج النحاس، إلى جانب استكشاف موارد جديدة من الأتربة النادرة، بهدف بناء سلاسل صناعية متكاملة تشمل المعالجة والتصنيع وإنتاج مكونات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وأضافت أن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية تهدف إلى جعل المغرب مركزاً إقليمياً للصناعة والطاقة والمعادن، وتعزيز موقعه كجسر اقتصادي بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
وتعكس هذه التحولات، وفق تصريحات بنخضرة، توجه المغرب نحو بناء نموذج طاقي وصناعي أكثر استقلالية وتنافسية، يقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتطوير الموارد المحلية، وجذب الاستثمارات الدولية، بما يعزز مكانة المملكة كفاعل استراتيجي في التحولات الطاقية العالمية.




