مصافي النفط تشعل أزمة البنزين في أمريكا وتعيد رسم خريطة سوق الطاقة العالمي

لم تكن أسواق الطاقة العالمية تتوقع أن يصبح توفر النفط الخام أقل أهمية من القدرة على تكريره، لكن التطورات الأخيرة كشفت عن تحول عميق في معادلة تسعير الوقود، بعدما واصلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الارتفاع رغم تراجع أسعار النفط إلى مستويات أقل بكثير من ذروتها السابقة.
وتجاوز سعر جالون البنزين مجددًا حاجز الأربعة دولارات، في وقت كان المستثمرون يراهنون على أن انخفاض أسعار الخام سيقود تلقائيًا إلى تراجع أسعار الوقود. غير أن الواقع أظهر أن الحلقة الأكثر تأثيرًا لم تعد حقول النفط، بل المصافي التي تتولى تحويل الخام إلى منتجات نهائية مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.
فالعالم لا يواجه في الوقت الراهن أزمة في توفر النفط بقدر ما يواجه نقصًا في القدرة على معالجة هذا النفط وتحويله إلى وقود جاهز للاستهلاك، ما جعل قطاع التكرير يتحول إلى نقطة الاختناق الجديدة في منظومة الطاقة العالمية.
شهدت أسعار النفط الخام تراجعًا كبيرًا بعد وصولها إلى مستويات قاربت 118 دولارًا للبرميل خلال فترة تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، قبل أن تهبط إلى مستويات أقل من 90 دولارًا، إلا أن هذا الانخفاض لم ينعكس بالشكل المتوقع على أسعار البنزين في الأسواق الأمريكية.
ويعود السبب الرئيسي إلى اتساع الفجوة بين سوق الخام وسوق المنتجات المكررة، إذ إن وجود كميات كافية من النفط لا يعني بالضرورة توفر إمدادات كافية من الوقود المستخدم مباشرة من قبل المستهلكين.

ورغم نجاح الأسواق في تعويض جزء من النقص في الخام عبر استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، فإن محدودية قدرات المصافي حالت دون تحويل هذه الكميات الإضافية إلى وقود، ما أبقى الأسعار تحت ضغط مستمر.
كما أن طبيعة الطلب على البنزين تزيد من تعقيد الوضع، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث يعتمد قطاع النقل بشكل كبير على السيارات، ما يجعل المستهلكين غير قادرين على تقليص الاستهلاك بسرعة حتى مع ارتفاع الأسعار.
تبدأ رحلة الوقود من استخراج النفط الخام ونقله إلى المصافي، حيث يخضع لعمليات معالجة معقدة لإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، قبل أن يتم تخزينه ونقله إلى محطات التوزيع.
ورغم أن النفط الخام يظل المكون الأكبر في تكلفة البنزين، إذ يمثل حوالي نصف سعر الجالون، فإن تكاليف التكرير أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تحديد السعر النهائي، إلى جانب الضرائب والنقل والتسويق.
وخلال الفترة الأخيرة، تعرض قطاع التكرير العالمي لضغوط متزايدة بسبب الاضطرابات الجيوسياسية والأعطال التشغيلية، حيث تضررت العديد من المصافي في مناطق مختلفة، ما أدى إلى انخفاض المعروض من الوقود المكرر.
كما ساهم انخفاض صادرات الصين من البنزين والديزل في تشديد السوق العالمية، بعدما كانت بكين توفر جزءًا مهمًا من الإمدادات المكررة للأسواق الخارجية.
وفي روسيا، أدت الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة إلى تعطيل جزء كبير من طاقة التكرير، الأمر الذي زاد من الضغوط على الأسواق الدولية.
وتشير تقديرات القطاع إلى أن إنتاج المصافي عالميًا تراجع بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا مقارنة بالعام الماضي، ليستقر عند متوسط يقارب 78 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثاني، في واحدة من أكبر الصدمات التي تعرض لها قطاع التكرير خلال السنوات الأخيرة.
أدى نقص الوقود المكرر إلى ارتفاع كبير في ما يعرف بـ”هوامش التكرير”، وهي الفارق بين قيمة المنتجات النفطية النهائية وسعر النفط الخام المستخدم في إنتاجها.
ويعد مؤشر “3-2-1” من أبرز المؤشرات التي تقيس ربحية المصافي، إذ يعتمد على تحويل ثلاثة براميل من الخام إلى برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل.
وقد قفز هذا المؤشر في الولايات المتحدة إلى مستويات قاربت 70 دولارًا للبرميل، بينما سجلت الأسواق الأوروبية أيضًا مستويات مرتفعة، خصوصًا في قطاع الديزل، الذي شهد زيادات كبيرة بسبب محدودية الإمدادات.
وتوضح هذه الأرقام أن الأزمة الحالية ليست أزمة نفط خام، وإنما أزمة قدرة إنتاجية في قطاع التكرير.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت مساهمة التكرير في تكلفة جالون البنزين إلى نحو 21%، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ حوالي 15%، وهو ما سمح لشركات التكرير الكبرى مثل “فاليرو” و”فيليبس 66″ بتحقيق أرباح قوية، في حين بقيت أرباح محطات الوقود محدودة مقارنة بحجم الارتفاعات في السوق.
رغم محاولات الحكومات التدخل للحد من ارتفاع أسعار الوقود، فإن زيادة إنتاج النفط أو استخدام المزيد من الاحتياطيات لن تكون كافية لمعالجة المشكلة، لأن العقبة الأساسية تتمثل في نقص طاقة التكرير.
فإنشاء مصافٍ جديدة يتطلب سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، بينما تعمل معظم المنشآت الحالية بالقرب من طاقتها القصوى، ما يقلل قدرة السوق على الاستجابة السريعة لأي ارتفاع مفاجئ في الطلب.
كما أن تأجيل أعمال الصيانة بسبب ضغوط السوق يرفع مخاطر الأعطال غير المتوقعة، ويزيد من تقلبات الأسعار.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تقترب فيه مخزونات البنزين والديزل في العديد من الأسواق من مستويات منخفضة تاريخيًا، بينما لا يزال الطلب العالمي على الطاقة قويًا.
ولهذا، فإن حتى عودة الاستقرار الجيوسياسي أو استئناف حركة الملاحة في الممرات الحيوية لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض سريع في أسعار الوقود، لأن إعادة تشغيل المصافي واستعادة قدراتها الإنتاجية تحتاج إلى وقت أطول من عودة تدفقات النفط الخام.
تكشف أزمة البنزين الحالية عن تحول مهم في سوق الطاقة العالمي، حيث لم يعد امتلاك موارد نفطية ضخمة العامل الوحيد الذي يحدد استقرار الأسعار.
فبين الحقول النفطية ومحطات الوقود، أصبحت المصافي تمثل الحلقة الأكثر حساسية وتأثيرًا، بعدما باتت قدرتها على تحويل النفط الخام إلى منتجات مكررة هي العامل الحاسم في تحديد تكلفة الطاقة التي يدفعها المستهلكون حول العالم.
وبذلك، فإن مستقبل أسعار الوقود لن يعتمد فقط على حجم النفط المتوفر، بل على قدرة العالم على معالجة هذا النفط وتحويله إلى وقود يلبي الطلب المتزايد.




