فنزويلا تتحول إلى ساحة جديدة للصراع الأمريكي الصيني على النفط والنفوذ

تدخل فنزويلا مرحلة جديدة من التجاذب الجيوسياسي، بعدما باتت ثروتها النفطية الضخمة محوراً لسياسة أمريكية أكثر اندفاعاً في نصف الكرة الغربي، في وقت تجد فيه الصين نفسها أمام احتمال تراجع نفوذها في واحدة من أبرز الدول التي بنت معها شراكة اقتصادية واستثمارية واسعة خلال العقدين الماضيين.
وتبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازمة على توسيع نطاق تحركاتها في فنزويلا، بعدما أعلنت خططاً للسيطرة على جزء كبير من احتياطيات البلاد النفطية المقدرة بأكثر من 65 مليار برميل. ولا تنظر واشنطن إلى هذه الخطوة باعتبارها مسألة طاقة فقط، بل باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحد من حضور القوى المنافسة، وعلى رأسها الصين وروسيا، في المنطقة.
وتضع هذه السياسة فنزويلا في قلب ما تصفه الإدارة الأمريكية بإعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، مع اعتماد نهج يقوم على منع المنافسين من السيطرة على أصول تعتبرها واشنطن ذات أهمية استراتيجية.
ومن أبرز الملفات التي قد تواجه إعادة ترتيب هو هيكل الديون الفنزويلية المستحقة للصين، والتي تراكمت نتيجة سنوات من التمويل الصيني لمشروعات الطاقة والبنية التحتية.
وزادت المخاوف الصينية بعدما أعلن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن بكين لن تحصل على إيرادات من الإنتاج النفطي الفنزويلي الجديد، الأمر الذي قد يغلق أحد المسارات التي كان يمكن استخدامها لخدمة الديون المتراكمة.
وتشير هذه التطورات إلى أن أي إعادة هيكلة مستقبلية للالتزامات الفنزويلية قد تجري في بيئة مختلفة تماماً عن تلك التي نشأت فيها القروض الصينية، وهو ما قد يضع الدائنين الصينيين أمام خسائر أو تأخيرات إضافية في استرداد مستحقاتهم.
ويرى محللون أن السياسة الأمريكية الجديدة قد لا تصل بالضرورة إلى حد المصادرة المباشرة للأصول الصينية، لكنها يمكن أن تؤسس لنمط جديد من الضغط يهدف إلى تقليص الوجود الاقتصادي لبكين في قطاعات استراتيجية داخل أمريكا الجنوبية.
وفي مواجهة التحركات الأمريكية، حافظت الصين حتى الآن على لهجة حذرة، مؤكدة تمسكها بحقوقها الاقتصادية في فنزويلا.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون إن المصالح المشروعة لبكين في فنزويلا ينبغي حمايتها، مشيراً إلى أن التعاون بين البلدين يستند إلى القانون الدولي ولا يستهدف أي طرف ثالث.
وتكتسب المسألة حساسية إضافية مع اقتراب اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، إذ يسعى الطرفان إلى تجنب فتح جبهة جديدة من الخلافات، في وقت تتعدد فيه الملفات العالقة بينهما، من التجارة إلى الدعم الصيني لإيران.
ورغم اتساع الاستثمارات الصينية في فنزويلا خلال السنوات الماضية، فإن أهمية الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية بالنسبة إلى بكين تراجعت تدريجياً.
ففي عام 2025، لم يمثل النفط الفنزويلي سوى نحو 4% من إجمالي واردات الصين من الخام، بينما توقفت الشحنات الفنزويلية إلى الصين بعد انتقال السيطرة على الأصول المرتبطة بالقطاع إلى الإدارة الأمريكية عقب القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في وقت سابق من العام الجاري.
كما أن حجم الديون الفنزويلية للصين تراجع بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات التي بلغها في ذروة التعاون بين البلدين. وتشير البيانات المتاحة إلى أن البنوك الحكومية الصينية قدمت لفنزويلا أكثر من 60 مليار دولار من القروض المدعومة بالنفط بحلول عام 2015.
وبحلول 2025، كان يُعتقد أن حجم الديون المتبقية للصين بلغ ما لا يقل عن 10 مليارات دولار، رغم غياب بيانات رسمية حديثة ومفصلة من كاراكاس منذ تعثرها عن سداد ديونها السيادية في 2017.
بدأ الحضور الصيني القوي في قطاع الطاقة الفنزويلي خلال عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، عندما تحولت الصين إلى مصدر رئيسي للتمويل والاستثمار في البنية التحتية والطاقة.
وشاركت شركات صينية حكومية كبرى، من بينها «تشاينا ناشيونال بتروليوم» و«تشاينا ناشيونال أوفشور أويل»، في تطوير مشروعات للنفط والغاز، خصوصاً في منطقة أورينوكو الغنية بالنفط الثقيل.
كما دخلت شركات صينية خاصة في استثمارات مرتبطة بالتنقيب والإنتاج، إلا أن تدهور الاقتصاد الفنزويلي والعقوبات الأمريكية المفروضة على قطاع النفط منذ 2019 جعلا بيئة الأعمال أكثر تعقيداً.
ومع انخفاض مستويات الإنتاج مقارنة بالطاقة المستهدفة، بدأت الشركات الصينية في تقليص نشاطها تدريجياً، وهو ما يعني أن أي تحرك أمريكي جديد ضد الأصول المرتبطة بخصوم واشنطن قد تكون تداعياته محدودة نسبياً على الشركات الصينية مقارنة بما كان يمكن أن يحدث قبل سنوات.
لكن تراجع الاستثمارات الصينية لا يعني أن تأثير التطورات الفنزويلية سيكون محدوداً على الصين، إذ قد تتضرر بعض المصافي الصينية من فقدان الخام الفنزويلي الثقيل.
وتعتمد مصافٍ مستقلة في مقاطعة شاندونغ منذ سنوات على النفط الفنزويلي الثقيل كمادة أساسية في إنتاج البيتومين، ولذلك فإن تراجع الإمدادات قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على سوق الخام الثقيل ورفع تكاليف بعض المنتجات النفطية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المصافي الصينية بالفعل اضطرابات في مصادر أخرى من الإمدادات، ما قد يزيد حساسية السوق تجاه أي انخفاض إضافي في تدفقات الخام الثقيل.
وتكشف التطورات في فنزويلا أن الصراع الأمريكي الصيني لم يعد يقتصر على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، بل بات يمتد بصورة أكبر إلى موارد الطاقة والنفوذ الاقتصادي في مناطق تعتبرها واشنطن وبكين ذات أهمية استراتيجية.
وفي حين تبدو الصين أقل انكشافاً على فنزويلا مما كانت عليه قبل عقد، فإن أي محاولة أمريكية لإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي في البلاد ستظل تحمل أبعاداً سياسية مهمة بالنسبة إلى بكين.
ويرى محللون أن أمريكا الجنوبية ستظل إحدى المناطق التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والصينية، خصوصاً مع سعي واشنطن إلى تعزيز نفوذها الإقليمي ومحاولة بكين حماية استثماراتها وشراكاتها القائمة.
وبذلك، قد تتحول فنزويلا إلى نموذج لما يمكن أن تبدو عليه المنافسة المقبلة بين القوتين: ليس بالضرورة عبر مواجهة مباشرة، وإنما من خلال إعادة رسم خريطة الاستثمارات والطاقة والنفوذ الاقتصادي، وفرض حدود جديدة على حضور كل طرف في مناطق نفوذ الآخر.




