لماذا لا يلمس المواطن المغربي ثمار النمو الاقتصادي؟

أصبح الرهان الاقتصادي في المغرب يتجاوز تحقيق نسب نمو مرتفعة إلى البحث عن سبل ضمان وصول آثار هذا النمو إلى مختلف فئات المجتمع، بعدما كشفت مؤشرات حديثة عن استمرار وجود فجوة بين تحسن الأداء الاقتصادي العام وبين الإحساس اليومي للأسر بمستوى معيشتها وقدرتها على مواجهة تكاليف الحياة.
وسلط تقرير صادر عن مركز “أوميغا” بعنوان “من نمو الاقتصاد إلى تحسن المعيشة.. قراءة نسقية استشرافية” الضوء على هذا التحدي، مؤكداً أن نجاح النموذج الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الناتج الداخلي الإجمالي أو تطور الأنشطة الإنتاجية، وإنما بمدى قدرته على خلق مداخيل مستقرة، وفرص شغل ذات جودة، وتحسين الظروف الاجتماعية للمواطنين.
واعتمد التقرير على معطيات الحسابات الجهوية لسنة 2024 ونتائج بحث الظرفية لدى الأسر خلال الفصل الثاني من سنة 2026 الصادرين عن المندوبية السامية للتخطيط، حيث أشار إلى أن الاقتصاد الوطني سجل نمواً حقيقياً بنسبة 4.4 في المائة خلال سنة 2024، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي حوالي 1.614,6 مليار درهم.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، سجلت الوثيقة استمرار تراجع مستوى ثقة الأسر، حيث بلغ مؤشر الثقة 60.1 نقطة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مع ارتفاع عدد الأسر التي تعتبر أن وضعيتها المعيشية شهدت تراجعاً، فضلاً عن ضعف القدرة على الادخار واستمرار التخوف من تداعيات البطالة.
ويرى معدو التقرير أن هذا التناقض بين المؤشرات الاقتصادية الكبرى والواقع الاجتماعي يرتبط أساساً بطريقة إنتاج وتوزيع الثروة، إذ لا تصل عائدات النمو بالوتيرة نفسها إلى مختلف الجهات والفئات الاجتماعية، مما يجعل أثر الانتعاش الاقتصادي محدوداً في الحياة اليومية لعدد من الأسر.
وسجل التقرير استمرار تمركز النشاط الاقتصادي في أقطاب جهوية محددة، خاصة جهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، التي تستحوذ على حصة مهمة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل مساهمة أقل لعدد من الجهات الأخرى رغم توفرها على مؤهلات اقتصادية متنوعة.
وأوضح المصدر ذاته أن ارتفاع الناتج الداخلي للفرد لا يعكس بالضرورة تحسناً مباشراً في مستوى دخل المواطنين، مشيراً إلى أن بعض الأنشطة الاقتصادية، خصوصاً ذات الطابع الصناعي أو التصديري، قد تحقق قيمة إنتاجية مرتفعة دون أن تترجم بشكل كاف إلى فرص شغل أو مداخيل إضافية لفائدة السكان المحليين.
كما أرجع التقرير استمرار الفجوة بين النمو وتحسن المعيشة إلى عدة عوامل، من بينها محدودية انتقال الثروة إلى الأسر، واعتماد بعض القطاعات على استثمارات كثيفة رأس المال، إلى جانب تأثير التضخم وارتفاع أسعار السكن والنقل والخدمات على القدرة الشرائية.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الحياة دفع العديد من الأسر إلى تقليص مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض للحفاظ على مستوى إنفاقها، في ظل تراجع قدرتها على مواجهة الأزمات المالية المفاجئة.
وفي تحليله للتحولات الاقتصادية، اعتبر التقرير أن المغرب بات يتوفر على منظومة اقتصادية جهوية متعددة، تختلف حسب طبيعة الأنشطة والإمكانات المتوفرة، بين أقطاب صناعية ولوجستية، ومناطق تعتمد على السياحة أو الفلاحة أو الاقتصاد البحري، وهو ما يستدعي، حسب الوثيقة، اعتماد سياسات تنموية تراعي خصوصية كل مجال ترابي.
وتوقع التقرير خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2035 مجموعة من السيناريوهات، من بينها استمرار تمركز الثروة في الجهات الأكثر دينامية، أو ظهور أقطاب اقتصادية جديدة قادرة على خلق فرص إضافية، أو استمرار تحقيق النمو دون انعكاس اجتماعي قوي، إضافة إلى احتمالات مرتبطة بتأثيرات التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق الدولية.
وفي المقابل، قدم التقرير رؤية تقوم على تعزيز التنمية الترابية المستدامة، من خلال استثمار مؤهلات كل جهة وربط المشاريع الاقتصادية بقدرتها على خلق فرص العمل وتحسين مستوى العيش.
ودعا مركز “أوميغا” إلى تطوير طريقة تقييم الأداء الاقتصادي عبر اعتماد مؤشرات تتجاوز قياس الناتج الداخلي الإجمالي، لتشمل تطور دخل الأسر، ومستويات الادخار، وكلفة المعيشة، وجودة فرص الشغل، مع تعزيز الربط بين الاستثمار والأثر الاجتماعي والترابي، بما يساهم في تحقيق توزيع أكثر توازناً لثمار النمو وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.



