الاقتصادية

لماذا تكلف الرحلة المباشرة أكثر من رحلة تتضمن توقفًا؟

ليس دائمًا الوصول إلى الوجهة الأبعد هو الخيار الأعلى تكلفة، فأسعار تذاكر الطيران قد تقلب المعادلة رأسًا على عقب، ليجد المسافر أن الرحلة التي تتطلب منه قطع مسافة أطول وتغيير الطائرة والانتظار في مطار وسيط، تباع بسعر يقل عن تذكرة رحلة أقصر وأكثر مباشرة.

وقد تبدو هذه المفارقة غير منطقية بالنسبة للمسافر الذي ينظر إلى المسافة وعدد الرحلات باعتبارهما العاملين الأساسيين في تحديد السعر، إلا أن شركات الطيران تعتمد في الواقع على منظومة أكثر تعقيدًا في تسعير المقاعد، ترتبط بالطلب على كل مسار، ومستوى المنافسة، وسلوك العملاء، وقيمة الوقت بالنسبة للمسافر.

وتظهر هذه الاستراتيجية بوضوح في بعض الرحلات التي تمر عبر مطارات رئيسية للربط بين المدن. ففي إحدى الحالات التي وثقها باحثون على رحلات أمريكان إيرلاينز، بلغ سعر تذكرة من شيكاغو إلى واشنطن 387 دولارًا، بينما كان بإمكان المسافر حجز مقعد من شيكاغو إلى بوسطن على الرحلة نفسها، مع مواصلة السفر وتغيير الطائرة في واشنطن، مقابل 178 دولارًا فقط.

وبذلك أصبح المسافر المتجه إلى بوسطن، رغم قطعه مسافة أطول، أمام سعر يقل بـ209 دولارات عن تكلفة المسافر الذي أنهى رحلته في واشنطن.

ولا تبدو هذه الظاهرة هامشية في صناعة الطيران العالمية، التي يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” أن تصل إيراداتها إلى نحو 1.2 تريليون دولار خلال 2026، منها حوالي 839 مليار دولار من إيرادات نقل الركاب.

عند تفكيك أسعار تذاكر الطيران، يتضح أن شركات الطيران لا تبيع المسافة فقط، وإنما تبيع أيضًا الوقت والراحة وسهولة الوصول إلى الوجهة. ولهذا السبب يمكن أن يكون المقعد على رحلة مباشرة أكثر تكلفة من مقعد آخر على الرحلة نفسها تقريبًا، إذا كان الخيار الثاني يتطلب توقفًا وانتظارًا إضافيًا.

وأظهر تحليل نشرته جوجل في سبتمبر 2025 أن اختيار رحلة تتضمن محطة توقف يمكن أن يوفر للمسافر نحو 22% في المتوسط مقارنة برحلة مباشرة إلى الوجهة نفسها.

واعتمد التحليل على أسعار تذاكر ذهاب وعودة جرى رصدها بين يناير 2021 وأغسطس 2025، لرحلات تراوحت مدة الإقامة فيها بين أربعة و16 يومًا، وانطلقت من أكبر 4000 سوق للسفر في الولايات المتحدة.

ويظهر الفارق بين قيمة الوقت والسعر بصورة أوضح في مثال آخر نشره موقع “فيرفلايت” التابع لمجلس شمال غرب أركنساس قبل نحو عامين.

فقد عرض الموقع رحلة ذهاب وعودة من شمال غرب أركنساس إلى سان فرانسيسكو على شركة فرونتير مقابل 157 دولارًا، بينما وصل السعر على أمريكان إيرلاينز إلى 657 دولارًا في مواعيد السفر نفسها.

لكن التذكرة الأرخص جاءت مع تكلفة زمنية كبيرة؛ إذ استغرقت الرحلة 16 ساعة، بينها نحو 11 ساعة ونصف الساعة من الانتظار في دنفر، في حين لم يتجاوز التوقف في رحلة أمريكان إيرلاينز نحو ساعة واحدة في مطار دالاس–فورت وورث.

ويفسر محلل قطاع الطيران بريت سنايدر هذه الفوارق بأن شركات الطيران لا تحدد الأسعار من خلال جمع أسعار جميع مقاطع الرحلة، وإنما تنظر إلى الرحلة باعتبارها منتجًا مستقلًا يربط بين نقطة انطلاق ووجهة نهائية.

وبالتالي، فإن سعر الرحلة لا يرتبط بصورة مباشرة بعدد الكيلومترات أو عدد الطائرات التي يستخدمها المسافر، وإنما يتأثر بحجم الطلب على المسار ومستوى المنافسة والخيارات التي تقدمها شركات الطيران الأخرى.

خلف هذا التسعير المتفاوت توجد محاولة من شركات الطيران للوصول إلى أكبر عدد ممكن من العملاء دون التخلي عن الإيرادات التي يمكن تحقيقها من المسافرين الراغبين في دفع المزيد مقابل السرعة والراحة.

فالمسافر الذي يبحث عن أقل سعر قد يقبل الانتظار لساعات في مطار وسيط وتغيير الطائرة، بينما يفضل مسافر آخر دفع مبلغ إضافي مقابل الوصول المباشر وتوفير الوقت.

ومن خلال تقديم الخيارين، تستطيع شركة الطيران استهداف الفئتين في الوقت نفسه، بدلًا من خفض سعر الرحلة المباشرة للجميع.

وبهذا المعنى، يصبح الوقت أحد عناصر المنتج الذي تبيعه شركات الطيران، إذ لا يدفع المسافر فقط مقابل المقعد، وإنما يدفع أيضًا مقابل تقليص الانتظار وعدد محطات التوقف وتجنب تغيير الطائرة.

وتؤدي مطارات الترانزيت دورًا أساسيًا في هذه المعادلة، بعدما أصبحت حركة المسافرين الذين يستخدمون المطارات كمراكز للربط جزءًا كبيرًا من نشاط عدد من أكبر المطارات العالمية.

ووفق بيانات “أو إيه جي” المعروضة في سبتمبر 2025، شكلت حركة المسافرين العابرين نحو 74% من إجمالي الحركة في مطار حمد الدولي، ونحو 59% في إسطنبول، و47% في دبي، و51% في أبوظبي.

كما تظهر البيانات نمو أهمية بعض هذه المراكز خلال السنوات الماضية، إذ ارتفعت حصة ركاب الربط في مطار حمد الدولي من 66% عام 2015 إلى 74% عام 2025.

لكن انخفاض سعر التذكرة لا يعني بالضرورة أن الرحلة ستكون الأقل تكلفة من جميع الجوانب. فكلما زادت نقاط التوقف، ارتفعت احتمالات ظهور تكاليف ومخاطر إضافية، من بينها تأخر الرحلة الأولى، وتعقيدات نقل الأمتعة، والحاجة إلى إعادة تسجيلها في بعض الحالات.

وتشير بيانات تقرير “رؤى تكنولوجيا معلومات الأمتعة 2026” الصادر عن شركة “سيتا” إلى أن نحو 24 مليون حقيبة واجهت مشكلات في المناولة حول العالم خلال 2025.

وشكل نقل الأمتعة بين الرحلات نحو 39% من حالات سوء المناولة، مقارنة بـ41% في العام السابق.

ورغم ذلك، سجلت مؤشرات القطاع تحسنًا، إذ انخفض المعدل الإجمالي لمشكلات مناولة الأمتعة بنسبة 23% خلال 2025.

وتلفت جوجل كذلك إلى أن بعض الخيارات المصنفة ضمن الرحلات الأقل سعرًا قد تتطلب من المسافر استلام أمتعته وإعادة تسجيلها خلال الرحلة، أو استخدام مطارات مختلفة عند الذهاب والعودة.

كما تراعي أنظمة ترتيب الرحلات عوامل أخرى إلى جانب السعر، من بينها مدة السفر، وعدد محطات التوقف، وتغيير المطارات، وهو ما يعكس اختلاف قيمة كل خيار من وجهة نظر المسافر.

وتزداد حساسية رحلات الترانزيت عندما تكون فترة الانتظار قصيرة أو عندما يكون عدد الرحلات البديلة محدودًا.

ولهذا يشدد خبير السفر سكوت كيز على أهمية التحقق مسبقًا من الخيارات المتاحة من مطار التوقف إلى الوجهة النهائية، ولا سيما عدد الرحلات التي تشغلها الشركة يوميًا على هذا المسار.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن تأخر الرحلة الأولى قد يؤدي إلى فقدان الرحلة التالية، ما قد يحول التوفير الذي حققه المسافر عند شراء التذكرة إلى وقت إضافي وتكاليف جديدة إذا لم تتوفر رحلة بديلة مناسبة.

ورغم ارتباط الترانزيت في أذهان كثير من المسافرين بالانتظار، فإن محطة التوقف يمكن أن تتحول في بعض الحالات إلى جزء من الرحلة نفسها.

وتقدم شركة آيسلندا للطيران مثالًا على ذلك، من خلال إتاحة التوقف في آيسلندا ضمن الرحلات العابرة للمحيط الأطلسي دون زيادة في سعر تذكرة الطيران.

وتسمح معظم فئات الأسعار بإقامة تصل إلى سبع ليالٍ، بينما تصل المدة إلى 21 ليلة بالنسبة لفئتي “إيكونومي فليكس” و”ساجا بريميوم فليكس”، مع تنظيم الإقامات التي تتجاوز سبع ليالٍ عبر مركز خدمة الشركة.

وبذلك يمكن أن يتحول التوقف من مجرد ساعات إضافية في مطار إلى فرصة لزيارة بلد جديد ضمن الرحلة نفسها.

ومع استمرار نمو حركة السفر الجوي، تبدو معادلة تسعير التذاكر أكثر تعقيدًا مما توحي به الأرقام الظاهرة على شاشة الحجز. فالرحلة الأرخص قد توفر مئات الدولارات، لكنها في المقابل قد تتطلب ساعات أطول، وتوقفات متعددة، وتغيير الطائرات أو المطارات، فضلًا عن مخاطر مرتبطة بالأمتعة والرحلات اللاحقة.

وفي المقابل، قد يعكس السعر الأعلى قيمة الوقت والراحة وسهولة الوصول إلى الوجهة النهائية.

ومع توقع “إياتا” ارتفاع الطلب العالمي على السفر الجوي بنسبة 2.1% خلال العام الحالي، من المنتظر أن تواصل شركات الطيران ومطارات الربط تطوير استراتيجياتها لجذب مختلف شرائح المسافرين.

وفي النهاية، لا تكمن المفارقة في أن شركات الطيران تبيع رحلة أطول بسعر أقل فحسب، بل في أن سعر التذكرة لا يعكس دائمًا المسافة المقطوعة. فالسوق تسعّر الوجهة والطلب والوقت والراحة كلّها ضمن معادلة واحدة، ما يجعل الرحلة الأطول أحيانًا هي الخيار الأقل تكلفة على شاشة الحجز، دون أن تكون بالضرورة الأقل تكلفة من حيث الوقت أو تجربة السفر.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى