اقتصاد المغربالأخبارالاقتصادية

تقرير عبري : الأسلحة الإسرائيلية في المغرب تعيد تشكيل الحسابات الاستراتيجية للجزائر

لم تعد المعادلات العسكرية في منطقة شمال إفريقيا تدار بالمنطق التقليدي القائم على كمّ الترسانات وحجم القوات؛ بل أصبحت محكومة بطفرة تكنولوجية صامتة تقودها التحالفات الناشئة.

في هذا السياق، كشف تحليل استراتيجي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” عن “إعادة تشكيل تدريجية وجذرية” لموازين القوى في المنطقة، مدفوعة بتسارع وتيرة التعاون الدفاعي بين الرباط وتل أبيب.

هذا التحول التكنولوجي بات يلقي بظلاله مباشرة على الحسابات الأمنية للجزائر، التي ردت برفع إنفاقها العسكري إلى مستويات قياسية غير مسبوقة بلغت نحو 25 مليار دولار، مما يضع المنطقة أمام مشهد جيوسياسي جديد بالكامل.

وبحسب التقرير الذي أعدّه الباحث المغربي أمين أيوب، فإن مسار اتفاقيات أبراهام تجاوز الإطار السياسي والدبلوماسي التقليدي، ليدخل مرحلة أكثر عمقاً تتعلق بنقل التكنولوجيا العسكرية وتطوير مشاريع صناعية دفاعية مشتركة داخل المغرب، وهو ما يساهم في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.

ويستشهد الكاتب في بداية تحليله بنقاش برلماني لافت شهدته إسبانيا خلال شهر ماي الماضي، حين طرح نواب من حزب “فوكس” اليميني تساؤلات حول جاهزية الحكومة الإسبانية للتعامل مع سيناريوهات افتراضية تتعلق باستخدام المغرب لطائرات مسيّرة هجومية من طراز “سباي إكس”، وهي منظومات ذات أصل إسرائيلي يتم تصنيع جزء منها داخل المملكة.

ويعتبر التقرير أن وصول مثل هذه النقاشات إلى برلمانات دول أوروبية عضو في حلف الناتو يعكس، من وجهة نظره، حجم التحول الذي تعرفه البيئة الأمنية في غرب المتوسط، خاصة مع توسع نقل التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية إلى الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، وما يرافق ذلك من تغير في طبيعة التوازنات التقليدية.

ويرصد التحليل اختلافاً متزايداً بين النهج المغربي والجزائري في إدارة الإنفاق الدفاعي.

فالمغرب، وفق التقرير، يتجه نحو استراتيجية تقوم على تحديث نوعي للقدرات العسكرية، عبر الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة وتطوير صناعة دفاعية محلية بشراكات دولية، بينها تعاون مع شركات إسرائيلية مثل “بلو بيرد أيرو سيستمز”، مع تخصيص ميزانية دفاعية تُقدّر بـ17.1 مليار دولار.

في المقابل، يبرز التقرير أن الجزائر رفعت مخصصاتها الدفاعية إلى 25 مليار دولار، أي ما يمثل أكثر من خمس ميزانية الدولة ونسبة معتبرة من الناتج الداخلي الخام، متجاوزة بذلك مجموع ما يُخصص لقطاعي التعليم والصحة.

وتبرر الجزائر هذا التوجه، وفق التحليل، بضرورة تأمين حدودها الواسعة في منطقة الساحل وليبيا، وتحديث منظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، إضافة إلى مواجهة التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة.

غير أن الكاتب يذهب إلى أن جزءاً من هذا التصعيد في الإنفاق يرتبط أيضاً بمواكبة التطور العسكري المغربي المتسارع، خاصة مع دخول تقنيات دفاعية إسرائيلية حديثة إلى الخدمة داخل القوات المسلحة المغربية.

ويتوقف التقرير عند مشروع صناعي عسكري تابع لشركة “بلو بيرد أيرو سيستمز”، التي افتتحت منشأة إنتاج في منطقة بنسليمان مخصصة لتصنيع ذخائر “سباي إكس” الجوالة، لتكون بذلك أول موقع إنتاج لهذا النوع من الأنظمة خارج إسرائيل في المنطقة.

ووفق المعطيات التي أوردها التحليل، تتميز هذه الطائرات المسيّرة بقدرة تشغيلية تصل إلى نحو 50 كيلومتراً، وبمدة تحليق قد تبلغ ساعتين تقريباً، مع سرعة انقضاض تفوق 250 كيلومتراً في الساعة، وإمكانية تزويدها برؤوس حربية خفيفة موجهة لاستهداف الأهداف عالية القيمة.

كما يشير التقرير إلى أن مهندسين وتقنيين مغاربة خضعوا لتكوين متخصص للإشراف على عمليات التجميع والتصنيع، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز نقل المعرفة وبناء قاعدة صناعية دفاعية محلية.

ويرى التقرير أن المنظومة العسكرية المغربية تتجه نحو نموذج متعدد المصادر، يجمع بين التكنولوجيا الإسرائيلية والصينية والأميركية والفرنسية، في إطار ما يصفه الكاتب ببناء “دفاع متعدد الطبقات”.

وتشمل هذه المنظومة، حسب التحليل، أنظمة دفاع جوي متقدمة، ومقاتلات أميركية من طراز F-16، ومروحيات هجومية، ومنظومات صاروخية متعددة، إلى جانب تجهيزات دفاعية أخرى تُستخدم في مجالات الرصد والاعتراض والهجوم الدقيق.

ويخلص التقرير إلى أن المغرب انتقل خلال فترة قصيرة نسبياً من اعتماد تقليدي على العقيدة العسكرية الكلاسيكية إلى نموذج يعتمد على التكامل بين الأنظمة والقدرات الرقمية والضربات الدقيقة.

في المقابل، يرى الكاتب أن الجزائر ما تزال تعتمد بشكل أساسي على منظومات تسليح ذات منشأ روسي، مع توجه متزايد نحو تعزيز قدراتها في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة في المنطقة.

ويختتم التحليل بالإشارة إلى توقيع المغرب وإسرائيل خطة تعاون عسكري تمتد إلى سنة 2026، تشمل تدريبات مشتركة ومشاريع صناعية وتنسيقاً في ملفات التهديدات الإقليمية، مع نقل عن مسؤولين إسرائيليين يعتبرون المغرب “شريكاً أمنياً محورياً” في إفريقيا.

كما يدعو الكاتب في ختام تحليله إلى تعزيز التعاون الثلاثي بين الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل، معتبراً أن واشنطن مرشحة للعب دور أكبر في دعم هذا التوجه باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في شمال إفريقيا

بناءً على المعطيات السابقة، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية ترسم مستقبل المشهد الأمني في شمال إفريقيا:

  • 1. معضلة الأمن الإقليمي (Security Dilemma): إن لجوء المغرب إلى كسر الاحتكار العددي للجيش الجزائري عبر سلاح “التكنولوجيا النوعية والذكية” دفع الجزائر إلى رد فعل عكسي؛ حيث تحاول سد الفجوة من خلال زيادة مفرطة في الإنفاق المالي وتعميق شراكاتها مع موسكو وبكين. هذا التفاعل الدائري يجعل المنطقة تعيش حالة مستمرة من الاستنفار، حيث يُفسر كل طرف تحركات الآخر الدفاعية على أنها تهديد مباشر وجودي.

  • 2. تدويل صناعة القرار الأمني: لم يعد أمن المغرب العربي شأناً محلياً؛ فدخول التكنولوجيا الإسرائيلية بقوة، وتوجس إسبانيا (ومن خلفها الناتو) من الطائرات المسيّرة في مضيق جبل طارق، يحوّل المنطقة إلى ساحة تقاطع للمصالح الدولية. الرباط تسعى للاستفادة من هذا التدويل لتثبيت مكاسبها السياسية والدبلوماسية، بينما تسعى الجزائر للحفاظ على عمقها الاستراتيجي عبر إظهار قدرتها على ضبط الاستقرار في الساحل الإفريقي جنوباً.

  • 3. رهان الاستدامة الاقتصادية مقابل الفعالية العسكرية: يضع هذا التباين عقيدتين اقتصاديتين في مواجهة صعبة: المغرب يراهن على نموذج توطين الصناعة (نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية) لتقليل كلفة الفاتورة الدفاعية على المدى الطويل، في حين تعتمد الجزائر على الوفرة المالية المؤقتة لأسعار الطاقة لتمويل صفقات تسليح ضخمة وجاهزة. الاستدامة ستكون في النهاية لصالح الطرف الذي ينجح في دمج صناعته الدفاعية باقتصاده المحلي دون استنزاف مقدرات التنمية البشرية.

في النهاية، يظهر هذا التحليل أن شمال إفريقيا باتت على أعتاب نظام أمني جديد، لا تقاس فيه القوة بعدد الدبابات والمشاة، بل بالقدرة على التحكم في الأجواء، وتدفق البيانات، وامتلاك خوارزميات الحروب الحديثة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى