اقتصاد المغرب

بنك المغرب يدعو إلى تسريع إرساء مخزون استراتيجي لتعزيز الأمن الغذائي الوطني

في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية وتقلبات الأسواق العالمية، دعا بنك المغرب إلى تسريع إرساء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، معتبرا أن استمرار الاعتماد على التدخلات الظرفية لم يعد كافيا لضمان استقرار التزود وحماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية.

وأكد البنك المركزي، ضمن تقريره السنوي لسنة 2025، أن المغرب ما يزال في حاجة إلى الانتقال نحو مقاربة استباقية تقوم على التخطيط المسبق وتكوين احتياطيات قادرة على مواجهة الأزمات، مشيرا إلى أن مرور حوالي خمس سنوات على الدعوة إلى إنشاء هذه المنظومة لم يفض بعد إلى اعتماد إطار وطني شامل يحدد قواعد التخزين والتدبير وآليات التدخل عند الضرورة.

وأوضح التقرير أن المملكة تتوفر حاليا على عدد من الإجراءات القطاعية المرتبطة بتأمين بعض المخزونات، غير أن هذه التدابير لم تتحول بعد إلى سياسة وطنية موحدة تشمل مختلف المواد الحيوية وتحدد بدقة مستويات الاحتياطي المطلوبة، وطرق تمويلها، والجهات المسؤولة عن تدبيرها ومراقبتها.

وأشار بنك المغرب إلى أن التحولات التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة أكدت أهمية تعزيز قدرة الدول على الصمود أمام الاضطرابات، خاصة بعد تداعيات جائحة كورونا التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد الدولية، ثم موجات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء الناتجة عن التوترات الجيوسياسية والتجارية.

وأكد التقرير أن ضمان الأمن الاقتصادي لم يعد مرتبطا فقط بقدرة الأسواق على توفير المواد، بل أصبح يتطلب امتلاك آليات احتياطية تمكن من مواجهة فترات النقص أو ارتفاع الأسعار.

ويشمل بناء هذه المنظومة، بحسب البنك المركزي، تحديد قائمة المواد ذات الأولوية، وضبط الكميات التي ينبغي تخزينها، وتحديد مدة تغطية الاحتياطيات، إلى جانب وضع إطار حكامة واضح يضمن المراقبة والتجديد المستمر للمخزون.

ووضع بنك المغرب ملف الماء ضمن أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه المملكة، محذرا من أن التحسن المسجل في التساقطات خلال سنة 2025 لا يعني نهاية أزمة الإجهاد المائي التي تراكمت بفعل سنوات متتالية من الجفاف.

وأكد التقرير أن الظروف المناخية الإيجابية تشكل فرصة لتسريع الإصلاحات المرتبطة بتدبير الموارد المائية، وليس سببا للتراجع عن المشاريع الهيكلية الهادفة إلى تأمين الماء على المدى الطويل.

وشدد البنك على ضرورة تعزيز حكامة القطاع المائي، بما في ذلك اعتماد نظام تسعير يراعي القيمة الحقيقية للمورد ويحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل.

ويطرح هذا التوجه تحديا مزدوجا يتمثل في الحد من الاستهلاك غير الرشيد للمياه، مع ضمان استمرار الولوج العادل إلى هذا المورد الحيوي، خصوصا في ظل ارتفاع الطلب من القطاعات الفلاحية والصناعية والمنزلية.

وسجل بنك المغرب تحسنا في أداء القطاع الفلاحي خلال الموسم 2024-2025، مدفوعا بالتساقطات المطرية المسجلة خلال الفترة الممتدة بين فبراير وأبريل 2025، وهو ما ساهم في ارتفاع القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 8.2% بعد تراجعها بنسبة 5.7% خلال السنة السابقة.

كما ارتفع إنتاج الحبوب الرئيسية من 31 مليون قنطار إلى 43.1 مليون قنطار، بفضل تحسن المردودية التي انتقلت من 12.6 إلى 16.5 قنطارا للهكتار.

غير أن هذه النتائج الإيجابية لا تلغي، حسب التقرير، استمرار هشاشة النموذج الفلاحي أمام التقلبات المناخية، حيث لم تتجاوز المساحات المزروعة بالقمح الطري والصلب والشعير 2.6 مليون هكتار، مقابل متوسط بلغ 4.9 ملايين هكتار خلال الفترة الممتدة بين 2001 و2018.

وتعكس هذه الأرقام استمرار ارتباط الإنتاج الوطني بشكل كبير بانتظام التساقطات، رغم الجهود المبذولة لتطوير تقنيات الري وتحسين الإنتاجية.

كما سجل إنتاج الخضراوات ارتفاعا بنسبة 7.2%، والزراعات العلفية بنسبة 36.7%، والزراعات السكرية بنسبة 50.6%، في حين تراجع إنتاج الزيتون بنسبة 7.2% والحوامض بنسبة 7.8%.

وفي قطاع تربية الماشية، استمر تأثير الجفاف على القطيع الوطني، حيث تراجع عدد الأبقار بنسبة 11.4% ليصل إلى نحو 2.1 مليون رأس، رغم تحسن أعداد الأغنام والماعز بفضل برامج إعادة تكوين القطيع.

ولم تعد تداعيات ندرة المياه مقتصرة على الإنتاج الزراعي فقط، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية.

وأشار بنك المغرب إلى أن أسعار المواد الغذائية ذات التقلبات الكبيرة ارتفعت بنسبة 3.1% خلال سنة 2025، بعد انخفاضها بنسبة 2.6% خلال 2024، مرجعا ذلك إلى تأثيرات الظروف المناخية وتراجع العرض.

كما سجل التقرير ارتفاع أسعار الخضر الطرية بنسبة 9.5%، ما يعكس العلاقة المباشرة بين الموارد المائية واستقرار الأسواق والقدرة الشرائية للمواطنين.

ويرى البنك المركزي أن المخزون الاستراتيجي يمثل إحدى الأدوات الضرورية لتخفيف آثار الصدمات، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن تعزيز الإنتاج الوطني وتنويع مصادر التموين وتقوية سلاسل الإنتاج المحلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى