الأخبارالاقتصاديةالتكنولوجيا

الوظائف المكتبية أمام اختبار جديد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي

بينما تتسابق شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة، بدأ اختبار مختلف يفرض نفسه على مستقبل هذه الصناعة: هل تستطيع هذه الأدوات الانتقال من كونها تقنية متقدمة يستخدمها المتخصصون إلى وسيلة عمل يومية يعتمد عليها ملايين الموظفين في مختلف القطاعات؟

حتى الآن، تبدو البرمجة المجال الذي حقق فيه الذكاء الاصطناعي أكبر اختراق. فقد تغيرت طريقة تعامل المطورين مع مهامهم بصورة جذرية، بعدما تحولت الأدوات الذكية من مساعد يقتصر دوره على اقتراح الأكواد إلى شريك قادر على كتابة أجزاء واسعة من البرامج، واكتشاف الأخطاء وتنفيذ تعليمات متعددة الخطوات.

وفي شركات التكنولوجيا الناشئة في وادي السيليكون، بدأت تظهر طريقة مختلفة تمامًا للعمل. فبعض المهندسين لم يعودوا مضطرين إلى كتابة كل سطر برمجي بأنفسهم، بل يمكنهم إعطاء التعليمات صوتيًا، لتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تحويلها إلى أوامر وأكواد، ثم تنفيذ جزء من المهمة بصورة شبه مستقلة.

لكن نجاح هذه التجربة يفتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير: هل يمكن تكرارها في القانون والقطاع المالي وخدمة العملاء وسائر الوظائف المكتبية؟

يمثل انتشار الذكاء الاصطناعي بين المبرمجين أحد أهم المؤشرات على الإمكانات الاقتصادية لهذه التكنولوجيا.

وتشير بيانات منصة «ستاك أوفرفلو» إلى أن نحو أربعة من كل خمسة مطورين يستخدمون أدوات للبرمجة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، في وقت أصبحت فيه البرمجة نفسها مصدرًا رئيسيًا للإيرادات لدى عدد من شركات الذكاء الاصطناعي.

كما سجلت شركات ناشئة متخصصة في أدوات تطوير البرمجيات نموًا سريعًا في إيراداتها خلال الفترة الأخيرة، ما يعكس حجم الطلب على هذه التكنولوجيا داخل قطاع البرمجيات.

ولا يقتصر الأمر على شركات البرمجة الناشئة، إذ تنفق شركات الحوسبة السحابية العملاقة ومختبرات الذكاء الاصطناعي مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج.

لكن هذه الاستثمارات الضخمة تحتاج في النهاية إلى قاعدة استخدام واسعة وإيرادات كبيرة لتبريرها، وهو ما يجعل انتقال الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات أخرى أحد أهم الرهانات الاقتصادية للصناعة.

بدأت شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل في البحث عن المجالات التي يمكن أن تحقق فيها التكنولوجيا اختراقًا مشابهًا لما حدث في البرمجة.

ويأتي القطاع القانوني في مقدمة هذه المجالات، مع تسجيل شركات متخصصة في أدوات الذكاء الاصطناعي القانونية نموًا سريعًا، بالتزامن مع زيادة استخدام المحامين لهذه المنصات في البحث وتحليل الوثائق وإعداد الأعمال القانونية.

وفي الخدمات المالية، يتوسع استخدام الأدوات الذكية لتحليل البيانات والوثائق وتنفيذ عدد من المهام المتكررة، فيما تحقق الشركات المتخصصة في هذا المجال نموًا متزايدًا في قاعدة عملائها.

أما خدمة العملاء، فتبدو من أكثر المجالات جذبًا للاستثمارات، مع توسع استخدام الوكلاء الذكيين القادرين على التعامل مع المحادثات وتنفيذ بعض الإجراءات نيابة عن الموظفين.

ومع ذلك، فإن النجاح في هذه القطاعات لن يكون بالسهولة نفسها التي تحقق بها في البرمجة، بسبب اختلاف طبيعة البيانات والمهام ومستوى المخاطر.

يتمتع المبرمجون بظروف جعلت مهنتهم بيئة مثالية لتوسع الذكاء الاصطناعي.

فشبكة الإنترنت تضم كميات هائلة من الأكواد والمشروعات مفتوحة المصدر، ما يوفر للنماذج بيانات واسعة يمكن استخدامها في التدريب والتعلم.

وفي الوقت نفسه، يمكن اختبار معظم المخرجات البرمجية بصورة واضحة نسبيًا. فإذا أنتج النظام كودًا جديدًا، يمكن تشغيله وإخضاعه لسلسلة من الاختبارات لمعرفة ما إذا كان يؤدي الوظيفة المطلوبة أو يحتوي على أخطاء.

هذه الميزة لا تتوافر بالسهولة نفسها في الوظائف التي تعتمد على الحكم البشري.

فمن الصعب مثلًا تحديد ما إذا كان رد موظف خدمة العملاء نجح فعلًا في تهدئة عميل غاضب، أو ما إذا كانت استراتيجية محامٍ خلال مفاوضات معينة هي الأفضل، أو ما إذا كان تحليل مالي معقد قد التقط جميع التفاصيل المهمة.

ولهذا، فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج إجابة مقنعة لا تعني بالضرورة أنه قادر على إثبات صحة تلك الإجابة.

هناك عقبة أخرى تواجه انتشار الذكاء الاصطناعي خارج البرمجة، وهي أن جزءًا كبيرًا من المعرفة المهنية لا يكون مكتوبًا أو منظمًا في قواعد بيانات.

في البرمجة، توجد المعلومات المطلوبة غالبًا داخل ملفات المشروع أو قواعد البيانات أو واجهات البرمجة، ويمكن للأدوات الوصول إليها واستخدامها.

أما في المهن الأخرى، فقد تكون المعرفة موجودة داخل خبرة الموظف نفسه، أو مرتبطة بسياق اجتماعي أو مهني يصعب تحويله إلى بيانات قابلة للمعالجة.

وقد يعرف موظف خدمة العملاء، بحكم تجربته، الطريقة المناسبة للتعامل مع حالة استثنائية، بينما يمتلك المحامي قدرة على قراءة ردود فعل الطرف الآخر خلال التفاوض، ويعتمد الموظف المالي على معرفة تفصيلية بعلاقة العميل لا تظهر بالكامل في الوثائق المتاحة.

هذه المعرفة الضمنية تمثل تحديًا كبيرًا أمام الشركات التي تحاول أتمتة هذه الوظائف.

وللتغلب على هذه المشكلة، تعمل شركات الذكاء الاصطناعي على جمع كميات أكبر من البيانات المهنية وتطوير طرق جديدة لتحويل الخبرة البشرية إلى معلومات يمكن للنماذج التعلم منها.

وتتجه بعض الشركات إلى استخدام البيانات الاصطناعية لتدريب النماذج المتخصصة، فيما تستعين شركات أخرى بخبراء من مجالات مختلفة لتزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمعرفة المهنية التي يصعب الحصول عليها من البيانات العامة.

وفي خدمة العملاء، بدأت بعض الشركات في تحليل آلاف أو ملايين المكالمات والمحادثات لاكتشاف الأنماط المتكررة وطريقة تعامل الموظفين مع الحالات المختلفة، بهدف تحويل الخبرة المتراكمة إلى معرفة يمكن للأنظمة الذكية الاستفادة منها.

كما ترسل شركات الذكاء الاصطناعي مهندسين إلى مواقع العملاء من أجل فهم طبيعة العمل وتكييف الأدوات مع احتياجات المؤسسات، بدل الاعتماد على نماذج عامة لا تراعي خصوصية كل قطاع.

ورغم أهمية البيانات والتكنولوجيا، قد يكون العنصر البشري نفسه أحد أكبر العوائق أمام انتشار الذكاء الاصطناعي.

فالمبرمجون أكثر استعدادًا عادة لتجربة الأدوات الجديدة، لأن طبيعة مهنتهم تفرض عليهم التعامل المستمر مع تقنيات ولغات برمجة ومنصات متغيرة.

ولهذا، جاء جزء كبير من انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في شركات التكنولوجيا من داخل فرق العمل نفسها، بعدما بدأ المهندسون باستخدام الأدوات بشكل فردي ثم توسع استخدامها داخل المؤسسات.

أما موظفو القطاعات الأخرى، فقد لا يملكون الحرية نفسها لتجربة أدوات جديدة، وقد ينتظرون قرارات الإدارة أو برامج تدريبية قبل إدخال التكنولوجيا في عملياتهم اليومية.

ويصبح الأمر أكثر حساسية في قطاعات مثل القانون والخدمات المالية، حيث تخضع العمليات لقواعد تنظيمية صارمة، ويمكن أن تكون تكلفة الخطأ مرتفعة للغاية.

من المرجح أن يواصل الذكاء الاصطناعي التوسع خارج قطاع البرمجة، خصوصًا مع تطور النماذج وظهور وكلاء قادرين على تنفيذ سلسلة من المهام بدل الاكتفاء بتقديم إجابات أو اقتراحات.

لكن سرعة هذا التحول لن تتحدد بالقدرات التقنية وحدها.

فالقطاع الذي يملك بيانات أفضل، ومهامًا يمكن اختبار نتائجها بسهولة، وموظفين أكثر استعدادًا للتغيير، سيكون على الأرجح أسرع في تبني التكنولوجيا.

وبالتالي، فإن نجاح الذكاء الاصطناعي بين المبرمجين لا يعني أن جميع الوظائف المكتبية ستشهد التحول نفسه وبالسرعة ذاتها.

وقد يكون الاختبار الحقيقي لطفرة الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة هو قدرتها على تجاوز البيئة التي أثبتت فيها نجاحها بالفعل، والوصول إلى الموظف التقليدي الذي لا يملك خبرة تقنية عميقة، وإقناعه بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج جديد، وإنما طريقة مختلفة بالكامل لإنجاز العمل.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى