المعادن النادرة تشعل جبهة جديدة بين واشنطن وبكين وتهدد سلاسل إمداد التكنولوجيا

لم تعد المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين تقتصر على الرسوم الجمركية أو القيود المفروضة على الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، بل انتقلت إلى ساحة أكثر حساسية تتمثل في السيطرة على المعادن النادرة، التي أصبحت أحد أهم مفاتيح القوة في الصناعات العسكرية والتكنولوجية خلال القرن الحادي والعشرين.
فمع تشديد بكين قيودها على تصدير مواد استراتيجية ذات استخدامات مدنية وعسكرية إلى عدد من الشركات الأمريكية، تحولت المعادن الحيوية إلى ورقة ضغط جيوسياسية تستخدمها الصين للدفاع عن موقعها المهيمن في سلاسل الإمداد العالمية، بينما تسعى واشنطن إلى بناء منظومة إنتاج مستقلة تقلل اعتمادها على المورد الصيني.
وتكشف هذه المواجهة أن الصراع بين القوتين لم يعد يدور فقط حول التكنولوجيا المتقدمة، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم في الموارد الأساسية التي تقوم عليها هذه التكنولوجيا.
جاءت الخطوة الصينية الأخيرة بعد قيام وزارة الدفاع الأمريكية بتوسيع قائمتها الخاصة بالشركات الصينية المرتبطة بالجيش، لتشمل أسماء بارزة في قطاع التكنولوجيا مثل “علي بابا” و”بايدو” و”نيو”.
وردت بكين بفرض إجراءات أكثر صرامة على صادرات المواد الصينية التي يمكن استخدامها في تطبيقات عسكرية، حيث انتقلت من نظام يعتمد على منح تراخيص مسبقة للتصدير إلى حظر مباشر على تزويد بعض الشركات الأمريكية بهذه المواد.
ويشكل هذا التصعيد منعطفًا جديدًا في النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم، خصوصًا أن المعادن النادرة تدخل بشكل أساسي في تصنيع الطائرات المقاتلة، والصواريخ، وأنظمة الرادار، والمحركات الكهربائية، والعديد من التقنيات المتقدمة.
تأتي شركتا MP Materials وUSA Rare Earth في مقدمة الشركات الأمريكية المتأثرة بهذه الإجراءات، باعتبارهما من أبرز المشاريع التي تراهن عليها واشنطن لإعادة بناء صناعة محلية للمغناطيسات المصنوعة من العناصر النادرة.
كما طالت التداعيات شركة Aveox المتخصصة في إنتاج المحركات الكهربائية المستخدمة في تطبيقات عسكرية وتقنيات عالية الأداء.
وتواجه هذه الشركات تحديًا مزدوجًا يتمثل في إيجاد مصادر بديلة للمواد الخام من جهة، وتسريع بناء قدرات إنتاج محلية قادرة على منافسة النفوذ الصيني من جهة أخرى.
تستمد الصين قوتها في هذا القطاع من سيطرتها الواسعة على مراحل الإنتاج المختلفة، إذ تستحوذ على حوالي 70% من عمليات تعدين العناصر النادرة عالميًا، بينما تهيمن على أكثر من 90% من عمليات المعالجة والتكرير.

وتزداد خطورة هذا النفوذ في العناصر النادرة الثقيلة، التي تعتبر ضرورية لصناعة المغناطيسات المقاومة للحرارة المستخدمة في الأنظمة العسكرية والمركبات الكهربائية والتقنيات الصناعية المتقدمة.
ولا تكمن أهمية هذه المعادن في ندرتها الجيولوجية فقط، بل في صعوبة استخراجها ومعالجتها، وهي عملية تسيطر الصين على معظم مراحلها، ما يجعل العديد من الدول تعتمد على منشآتها للحصول على المواد النهائية.
أظهرت بيانات التجارة الصينية توقف صادرات معدن الديسبروسيوم إلى الولايات المتحدة منذ أبريل 2025، وهو عنصر بالغ الأهمية في صناعة المغناطيسات التي تعمل بكفاءة في درجات حرارة مرتفعة، سواء داخل المعدات الدفاعية أو بعض أجزاء السيارات الحديثة.
ورغم إمكانية استخدام التيربيوم كبديل جزئي، فإن الإمدادات الصينية منه شهدت بدورها اضطرابات كبيرة، حيث توقفت الشحنات الموجهة إلى الولايات المتحدة منذ أكتوبر الماضي باستثناء شحنة محدودة بلغت ستة أطنان.
وتسلط هذه التطورات الضوء على مدى هشاشة سلاسل الإمداد الأمريكية، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على مصدر خارجي واحد للحصول على بعض المواد الحيوية.
لم تقتصر تداعيات القيود الصينية على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى حلفائها، وعلى رأسهم كوريا الجنوبية التي تعتمد صناعاتها الدفاعية والتكنولوجية على عدد من المعادن القادمة من الصين.
وانخفضت صادرات الصين من الجاليوم غير المعالج إلى كوريا الجنوبية بنسبة تقارب 97%، ما أثار مخاوف بشأن إنتاج أنظمة الرادار والصواريخ، إضافة إلى تقنيات الاتصالات وشبكات الجيل الخامس.
كما تواجه الشركات الكورية خطر تأخير عمليات التصنيع بسبب طول الإجراءات المرتبطة بالحصول على تراخيص التصدير الصينية، والتي قد تستغرق عدة أسابيع.
أدت القيود التجارية المتبادلة بين الصين والدول الغربية إلى ارتفاع حاد في أسعار عدد من المعادن الحيوية، حيث تضاعف سعر الجرمانيوم تقريبًا خلال السنوات الخمس الماضية ليتجاوز 6100 دولار للكيلوغرام في الأسواق الأمريكية والأوروبية.
كما قفز سعر الجاليوم بنسبة تقارب 550% ليصل إلى نحو 1850 دولارًا للكيلوغرام، بينما سجل التونغستن ارتفاعات كبيرة تجاوزت خمسة أضعاف مستوياته السابقة.
وتعكس هذه الارتفاعات تحول المعادن النادرة من مجرد مواد صناعية إلى أصول استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي والتنافس بين القوى الكبرى.
في مواجهة النفوذ الصيني، كثفت الولايات المتحدة استثماراتها في قطاع التعدين ومعالجة المواد الخام، حيث خصصت نحو 46 مليار دولار لدعم مشاريع مرتبطة بالمعادن الحيوية.
ويمثل هذا التمويل عدة أضعاف ما خصصه الاتحاد الأوروبي للمجال نفسه، ما خلق منافسة جديدة بين الحلفاء الغربيين حول السيطرة على مشاريع التعدين العالمية.
كما دفعت التحركات الأمريكية إلى إبرام اتفاقيات للحصول على موارد معدنية في دول مثل البرازيل وأنغولا، وسط مخاوف أوروبية من توسع النفوذ الأمريكي في أسواق المواد الخام.
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي على معادن مثل الليثيوم والكوبالت وغيرها من المواد المستخدمة في تقنيات الطاقة النظيفة قد يتضاعف بين مرتين وأربع مرات بحلول عام 2040.
وتساهم التحولات الجيوسياسية وأزمات الطاقة العالمية في تسريع توجه الدول نحو تنويع مصادر الإمدادات، وزيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة والتقنيات المرتبطة بها.
في محاولة لإيجاد حلول بديلة، طور باحثون في مختبر “شمال غرب المحيط الهادئ الوطني” الأمريكي تقنية جديدة تهدف إلى استخراج معادن استراتيجية عالية النقاء من مياه البحر.
وتعتمد التقنية على معالجة مياه البحر باستخدام هيدروكسيد الصوديوم لإنتاج هيدروكسيد المغنيسيوم عالي النقاء، مع إمكانية تطويرها مستقبلًا لاستخراج معادن أخرى مثل النيكل.
ورغم أن هذه التكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تعكس حجم السباق العالمي للبحث عن مصادر جديدة تقلل الاعتماد على الدول المسيطرة على سلاسل الإمداد التقليدية.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين مرشح لمزيد من التصعيد، خصوصًا مع اتجاه بكين إلى فرض قواعد أكثر تشددًا على تصدير المعادن النادرة، في مقابل استمرار واشنطن في ضخ استثمارات ضخمة لبناء منظومة توريد مستقلة.
وبعدما كانت الطاقة التقليدية مثل النفط والغاز محور الصراعات الجيوسياسية لعقود، يبدو أن المعادن النادرة أصبحت اليوم المورد الأكثر تأثيرًا في تحديد موازين القوة، بعدما تحولت إلى عنصر أساسي في التكنولوجيا العسكرية والصناعات المستقبلية.
فالمعركة القادمة لن تكون فقط حول من يملك أحدث التقنيات، بل حول من يسيطر على المواد التي تجعل هذه التقنيات ممكنة.




