أزمة الديزل تضع ترامب أمام معادلة صعبة بين خفض الأسعار وحماية سوق الطاقة

تحولت أزمة الديزل في الولايات المتحدة إلى اختبار جديد لسياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب في سوق الطاقة، بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية وأصبحت تكلفة الوقود تضغط على قطاعات حيوية، في مقدمتها النقل والزراعة.
ومع تصاعد المطالب بزيادة الإمدادات المتاحة داخل البلاد، عاد إلى الواجهة مقترح تقييد صادرات الديزل الأمريكي، في خطوة قد تعيد رسم خريطة تدفقات الوقود داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وبلغ متوسط سعر الديزل على المستوى الوطني 6.5276 دولار للجالون في 22 شتنبر، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، ما دفع بعض أعضاء الكونغرس وممثلين عن قطاعات تعتمد بكثافة على الوقود إلى المطالبة بإبقاء كميات أكبر من الإنتاج داخل السوق المحلية.
غير أن المعادلة لا تبدو بسيطة، إذ إن تحويل جزء من الصادرات إلى السوق الأمريكية قد يزيد المعروض في بعض المناطق، لكنه في المقابل قد يؤثر على نشاط المصافي وتوازن أسواق المنتجات المكررة، في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة موردًا رئيسيًا للوقود في الأسواق الدولية.
يقوم المقترح المطروح على توجيه جزء أكبر من الديزل الذي تنتجه المصافي الأمريكية إلى السوق المحلية، بما قد يساعد على تخفيف تكلفة الوقود بالنسبة إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة.
ويأتي ذلك في ظل تراجع المخزونات الأمريكية وتزايد الضغوط على سوق المنتجات النفطية، حيث وصلت المخزونات إلى أدنى مستوى فصلي لها منذ نحو أربعة عقود، وكانت أقل بنحو 13% مقارنة بمستويات العام السابق.
وتزيد هذه المستويات المنخفضة من حساسية السوق تجاه أي اضطراب جديد في الإمدادات، كما تجعل أي قرار يتعلق بالتصدير ذا تأثير محتمل على توازن العرض والطلب.
لا ترتبط أزمة الديزل الأمريكية بعوامل داخلية فقط، إذ تزامنت القفزة في الأسعار مع اضطرابات واسعة في سوق الطاقة العالمية.
وساهمت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط والهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية في تقليص بعض إمدادات المنتجات المكررة، بينما أدى تعطل جزء من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى زيادة الضغوط على طرق نقل الطاقة.
وفي ظل تراجع بعض الإمدادات الروسية والشرق أوسطية، ازدادت أهمية المنتجات الأمريكية بالنسبة إلى الدول التي تبحث عن مصادر بديلة للوقود، وهو ما يجعل أي تغيير في سياسة واشنطن التصديرية ذا انعكاسات تتجاوز السوق المحلية.
وتكشف بيانات السوق عن مفارقة أساسية في الأزمة، إذ تنتج الولايات المتحدة كميات من الديزل تتجاوز احتياجات الاستهلاك المحلي، لكن توزيع هذه الكميات لا يتم بصورة متوازنة بين مختلف المناطق.
وخلال العام الماضي، أنتجت المصافي الأمريكية نحو 5 ملايين برميل يوميًا من الديزل، مقابل استهلاك محلي بلغ حوالي 3.9 مليون برميل يوميًا.
وتصدر الولايات المتحدة حاليًا قرابة 1.3 مليون برميل يوميًا من الديزل، ما يجعلها لاعبًا أساسيًا في تجارة الوقود المكرر عالميًا.
ومن ثم، فإن منع أو تقليص هذه الصادرات لن يعني ببساطة إضافة الكميات المصدرة إلى رفوف السوق الأمريكية، إذ يرتبط نشاط المصافي بتوازن معقد بين الإنتاج المحلي والتصدير وتكاليف النقل والطلب الإقليمي.
وفي الوقت الذي يضغط فيه بعض المشرعين والقطاعات الاقتصادية من أجل فرض قيود على الصادرات، برزت داخل الإدارة الأمريكية تحذيرات من الآثار المحتملة لهذه الخطوة.
وحذر وزير الطاقة كريس رايت من أن تقييد الصادرات على نطاق واسع قد يؤدي إلى تراكم الديزل في منطقة ساحل الخليج الأمريكي، وهو ما قد يدفع المصافي إلى خفض معدلات تشغيلها بدل زيادة الإنتاج.
من جهته، أشار وزير الداخلية دوج بورجوم إلى أن منع الصادرات لا يضمن انخفاض الأسعار، فضلًا عن إمكانية أن يدفع شركاء تجاريين إلى اتخاذ إجراءات مقابلة.
وتدرس وزارة الخزانة، بقيادة سكوت بيسنت، الجوانب الفنية والاقتصادية لأي قيود محتملة، بما في ذلك قدرة السوق الأمريكية على استيعاب الكميات التي كانت ستتجه إلى الخارج.
في المقابل، يدفع القطاع الزراعي باتجاه إجراءات سريعة، نظرًا إلى تأثير أسعار الديزل في تكلفة تشغيل الآليات الزراعية ونقل المحاصيل، خصوصًا مع اقتراب موسم الحصاد ودخول فصل الشتاء.
لكن قطاع النفط يرى الصورة من زاوية مختلفة. ويحذر معهد البترول الأمريكي من أن تقييد صادرات المنتجات المكررة قد يضر بكفاءة قطاع التكرير، ويؤدي إلى خفض الإنتاج والاستثمارات والوظائف، فضلًا عن احتمال انعكاس ذلك على المستهلكين.
تكمن إحدى أبرز نقاط الخلاف في طبيعة عمليات التكرير نفسها، إذ لا تعمل المصافي بمعزل عن بعضها في إنتاج أنواع الوقود المختلفة.
وفي حال أدى تراكم الديزل غير المصدر إلى خفض معدلات تشغيل المصافي، فقد يتراجع بالتبعية إنتاج البنزين ووقود الطائرات ومنتجات مكررة أخرى.
وبذلك، قد يؤدي إجراء يستهدف خفض سعر الديزل إلى التأثير في سوق أوسع للوقود، خصوصًا إذا تسبب في تقليص إجمالي معدلات التكرير داخل الولايات المتحدة.
ولا تتوقف تداعيات القرار المحتمل عند حدود الولايات المتحدة، إذ أصبحت صادرات الديزل الأمريكية مصدرًا مهمًا للأسواق الأوروبية والآسيوية، خصوصًا مع تراجع بعض التدفقات الروسية والشرق أوسطية.
وأي انخفاض في الصادرات الأمريكية قد يدفع المستوردين إلى البحث عن مصادر بديلة، ما يزيد المنافسة على الكميات المتاحة في الأسواق العالمية ويرفع تكاليف الشحن والتوريد في بعض المناطق.
وتختلف درجة التأثر من سوق إلى أخرى وفق قدرتها على زيادة الإنتاج المحلي أو الحصول على إمدادات بديلة.
وتبرز كذلك مسألة النقل البحري داخل الولايات المتحدة، حيث يرى بعض الخبراء أن منح إعفاءات من قانون جونز قد يسمح للسفن الأجنبية بالمشاركة في نقل الوقود بين الموانئ الأمريكية، ما قد يساعد على نقل الإمدادات من مناطق الإنتاج إلى المناطق التي تواجه نقصًا.
غير أن هذا الخيار لا يعالج بالضرورة جميع جوانب المشكلة، خصوصًا إذا أدى تقييد الصادرات إلى خفض معدلات تشغيل المصافي. فإعادة توزيع الوقود داخل الولايات المتحدة لا تعوض بالضرورة أي انخفاض محتمل في إجمالي الإنتاج.
وتحمل السياسة الأمريكية تاريخًا طويلًا مع قيود صادرات الطاقة. فبعد أزمة النفط عام 1973، فرضت واشنطن قيودًا على صادرات النفط الخام استمرت لعقود، قبل إلغائها لاحقًا في إطار توجه نحو تعزيز مرونة السوق الأمريكية.
كما بحثت إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2022 فرض قيود على صادرات النفط والوقود عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، قبل التراجع عن بعض الخيارات المطروحة وسط مخاوف من تداعياتها على الإمدادات والأسواق.
لكن الظروف الحالية تختلف عن تلك الفترات من حيث حجم الإنتاج الأمريكي وتشابك الأسواق العالمية ودور الولايات المتحدة في تجارة المنتجات المكررة.
وقد يكون لأي تقييد واسع للصادرات تأثير على موقع الولايات المتحدة كمورد رئيسي للطاقة، في وقت تعتمد فيه عدة أسواق على الإمدادات الأمريكية لتعويض النقص القادم من مصادر أخرى.
كما قد يؤدي انخفاض الصادرات إلى دفع بعض الدول إلى إعادة ترتيب مصادرها، وهو ما يمكن أن يمنح موردين آخرين، من بينهم الصين وروسيا، مساحة أكبر في بعض الأسواق التي تبحث عن بدائل.
ولا يعني ارتفاع المعروض على المستوى الوطني بالضرورة استفادة جميع المناطق الأمريكية بالدرجة نفسها.
فالمناطق القريبة من مراكز التكرير والتصدير على ساحل الخليج قد تتمكن من استيعاب كميات إضافية من الديزل، بينما قد تواجه السواحل الشرقية والغربية تحديات أكبر بسبب اعتمادها النسبي على الاستيراد ومحدودية بعض خطوط نقل المنتجات النفطية من مناطق التكرير الرئيسية.
وهذا التفاوت يجعل تحديد أثر أي حظر على الأسعار أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن تختلف النتيجة بشكل واضح بين منطقة وأخرى داخل الولايات المتحدة نفسها.
وتضع أزمة الديزل واشنطن أمام خيارات متشابكة، فزيادة الإمدادات المحلية عبر تقليص الصادرات قد تغير توازن السوق في بعض المناطق، لكنها قد تؤثر في الوقت نفسه على عمليات التكرير وتدفقات الوقود إلى الأسواق الخارجية.
وفي المقابل، فإن استمرار الصادرات لا يعني تلقائيًا انخفاض الأسعار الأمريكية، في ظل استمرار تأثير المخزونات المنخفضة واضطرابات الإمدادات العالمية وتكاليف النقل.
وبذلك، تكشف أزمة الديزل أن سوق الوقود الأمريكية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد العالمي، وأن أي تغيير في مسارات التجارة قد ينتقل أثره من المصافي والموانئ الأمريكية إلى أسواق أوروبا وآسيا، ثم يعود مجددًا إلى المستهلك الأمريكي عبر الأسعار وسلاسل الإمداد.




